سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في الاشتراكيّة الرأسماليّة

صلاح الدين مسلم_

وقع الاتحاد السوفيتي والصين في فخّ الاقتصاد الرأسمالي، الذي ينكر الاقتصاد ويحلّ محله الاحتكار والسيطرة على السوق من خلال حيتان الشركات، ونسف كلّ ما يمتّ إلى الاقتصاد، فوقع الشرق في هذه الأزمة أيضاً، فهذه التغييرات في المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي قد أثرت على الشرق الأوسط، فتطوّرت الديكتاتوريات وانغلقت وانسابت في أزمات الاقتصاد، وأثّرت على المجتمع، فتطوّرت الحركات المناوئة والتيّارات الدينيّة والقوميّة وحملت التعصّب في طيّاتها، وبالمقابل كانت هناك دول انزلقت إلى الرأسمال المالي ونظام البورصة والاحتكارات، وتطبّع الإخوان المسلمين بالنيوليبرالية، وكذلك الحركات الجهاديّة التي كانت لها ردّة فعل على ناطحات التجارة العالميّة، فكانت بداية القرن الواحد والعشرين مع بداية انهيار برجَي التجارة العالميين، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وتصاعد حدّة الخطاب والعنف تجاه الإرهاب، وغزو العراق وأفغانستان، وبداية الصراع الجديد الذي تجاوز مسألة الاشتراكية والرأسمالية والقطبين، من هنا نشأت الرأسماليّة بنسختها الشرقيّة، وهذا ما أدّى بالرأسماليّة العالميّة إلى تقسيمات جديدة لصيرورة الحداثة الرأسماليّة، فصارت الليبراليّة دين العالم الجديد، وإن اختلفت تسميات الرأسماليّة إلى رأسماليّة ذات طابع غربيّ أو رأسماليّة ذات طابع شرقي.
كانت اليوتوبيا الاشتراكية الكلاسيكية في الشرق الأوسط مثل دين جديد ضدّ التفاوت الطبقيّ والتطلّع إلى الحرية والعدالة والمساوة، وكان هذا دأب الثائرين في العالم على مرّ التاريخ، وعلى رأسهم في الشرق الأوسط؛ مهبطِ الروحانيين والقديسين والأنبياء والمتصوفة والدراويش.. فكان الدفاع عن المجتمعية هاجس أولئك المتطلّعين إلى الحرية، فحاربوا الفردية الليبرالية، وصارت الرأسمالية نظام الهيمنة والتسلّط ونظام التفاوت الطبقيّ، فباتت صراعات اليمين واليسار صراع الحرية ضدّ التسلّط، وقد تطبّع كلا اليسار واليمين بالأفكار اللاهوتية الدينية، والأثنية العرقية القوميّة، فظهر اليمين القومي واليسار القومي، كذلك اليسار الديني واليمين الديني، إلى أن وصل إلى التطرّف اليميني القومي الديني، والتطرّف اليساري الديني القومي، وهذه حالات لم نشاهدها إلّا في الشرق الأوسط؛ موطن التناقضات.
قبل خمسة قرون من الآن رأى فرانسيس  بيكون أنّ الفلسفة ما عادت نتفع، فنفى الماضي نفياً قاطعاً، وآمن بالعلم وبقدرته إيماناً مطلقاً على تحسين أحوال البشر، فجعل العلم أداة في يد الإنسان، تعينه على فهم الطبيعة، وبالتالي السيطرة عليها، وآمن بسيادة الإنسان على المخلوقات جميعاً، ثم أدّى فساد العلم إلى فقدان هذه السيطرة، ومن هنا كانت غايته مساعدة الإنسان على استعادة سيطرته على العالم، فكانت وسائل العلم والبحث العلميّ هي الأداة الوحيدة للغرب في تحليل أيّة مشكلّة ووضع الأسباب لها، ووضع الحلول قياساً على الاستنتاج الحتميّ لهذه المعادلة الرياضيّة التي تعتمد على وسائل العلم في (الاستنباط، الاستقراء، النظريات والبراهين، الأدلة، العيّنة، التجربة، الاستبيان، الملاحظة، الاختبار…) وكلّ ذلك يعتمد على الإدراك والحواس الخمس، وبات شعار التجربة خيرُ برهان هو الفيصل والحسام الحقيقيّ لكلّ ظاهرة من الظواهر، إذاً أضحى العلم السبيلَ الوحيد للمعرفة، لذلك كان تحليل الأمور ومنها تحليل الشرق الأوسط بهذا المقياس، لذلك ظهرت الأزمة إلى الوجود، ومازالت تلك الأزمة تتجدّد منذ مئة عام على الأقل إلى الآن، لكنّ المجتمع في الشرق الأوسط لم يستسغْ هذه الطريقة الوحيدة للوصول إلى المعرفة، لذلك ظهرت أزمات الشرق الأوسط في الحوار العلمي الروحي أو اللاهوتيّ.