سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في الفاشيّة الغربيّة والشرقيّة

صلاح الدين مسلم_

تعدّ تجربة اشتراكية الدولة، نسخة دولتيّة أشدّ رجعيّة من الليبرالية الرأسمالية، لكن بالمقابل لم تذهب كفاحات الشعوب، للبحث عن الحرّيّة، وعن الديمقراطيّة، وعن الاشتراكيّة أدراج الرياح، أمام تصاعد المدن وتغوّلها؛ وهو المرتع الخصب للهيمنة الرأسماليّة، وباتت الأساس للحداثة الديمقراطيّة.
بدت الحداثة الرأسماليّة في أوج تغوّلها، مع تسنّم ترامب سدّة الحكم، إلّا أنّها تراجعت مع انتهاء عهده، مع أنّه استلم الحكم أربع سنوات، لكنّه استطاع فيها أن يميّع حركة التاريخ، ويساهم في تنمية اليمين المتطرّف الوجه الأسوأ للنيوليبراليّة، والتي تعدّ استمراراً للفاشية، وللحركات المناهضة للديمقراطيّة والإنسانيّة، والتي ساعدت في تمييع الثورات المجتمعيّة، فقد ساهمت في سيطرة التيارات الإسلاميّة في الشرق الأوسط، والعالم بأسره، وقوّت السلفيّة، وحركة الإخوان المسلمين، والقاعدة وصولاً إلى داعش، وبالمقابل صعدت التيارات القوميّة المتعصّبة، وسيطرت على الساحة ردحاً من الزمن، وبثّت بعض الحركات الإسلاميّة أفكارها عبر الوسائل الليبرالية، وقد دعم الرأسمال العالميّ هذه التيارات، وصارت مدلّلة لديه، فالنظام الرأسمالي، لا يكتفي بتدمير المجتمعات، وبتشطيرها، بل يدمّر الطبيعة.
لقد ساد اعتقاد لدى الأحزاب اليسارية، والتيارات اليسارية في الشرق الأوسط، أنّ التحرّر الطبقيّ، والوطنيّ هو الحلّ، والترياق لكلّ مشاكل الشرق الأوسط، وللعالم كله، وهو الحلّ ضدّ الليبرالية، والفاشية الشرقية، وطغت على الثورات مفاهيم الشعارتية، الاشتراكية، الوحدة، الحرية، التحرّر العالمي، انهزام الرأسمالية، حقّ الشعوب في تقرير مصيرها… فتطبَّعت الأحزاب الاشتراكيّة بالطابع القوميّ، وتطلّعت إلى الدولة القوميّة أسوة بالاشتراكيّة المشيّدة في الاتّحاد السوفيتي، الذي سيطرت عليه دكتاتوريّة البروليتاريا، واعتمد المنهج التنويري، الذي سيطر على الماركسيّة في الاعتقاد بتحقّق، وبناء المجتمع الجديد (الشيوعيّة) على أرضيّة الرأسماليّة، انطلاقاً من تجاوز المجتمع الرأسماليّ، واعتبار هذا المفهوم اشتراكيّة علمية، ويتحدّث المفكّر عبد الله أوجلان في هذه الناحية: هذا الموقفُ بذاتِ نفسِه أيضاً يحتوي خطأَين رئيسيَّين: أولُهما؛ العجزُ عن رؤيةِ الحقيقةِ، التي أُدرِكَت لاحقاً، والتي تنصُّ على عدمِ سَرَيانِ الجزمِ العلميِّ التامِّ والمُطلق، سواءً في العلومِ الفيزيائيةِ، أم البيولوجية، سادَ العجزُ عن فهمِ استحالةِ إخضاعِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ لمعادلاتٍ علميةٍ قاطعة.
 فالطبيعةُ الاجتماعيةُ ثقافةٌ بذاتِها، وهي تَطفَحُ كلَّ لحظةٍ بتداعياتِ الذهنيةِ غيرِ القابلةِ للضبط، بناءً عليه، فما يكمنُ وراء الأخطاءِ البارزة، هو مطابَقةُ قوانينِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ مع القوانينِ الداروينيةِ الفيزيائيةِ، أو البيولوجيةِ تحت اسمِ سلوكِ الموقفِ العلميّ، الخطأُ الثاني متعلقٌ بفلسفةِ التاريخ، حيث لَم يَجرِ الانتباهُ إلى كونِ المجتمعِ بذاتِ نفسِه ظاهرةً تاريخية، ولكنْ مع ضرورةِ تقييمِه كطبيعةٍ ثانيةٍ ومغايرة، بل حتى لَم يُرَدْ فَهمُ أنّ الحاضرَ الاجتماعيَّ، هو بنسبةٍ كبرى تاريخٌ اجتماعيّ، فالفكرُ التنويريُّ لا يفسحُ المجالَ أمام هكذا إدراك، وما يتبقى هو التقييماتُ الرأسمالية، التي صاغَتها الآراءُ العالميةُ، الوضعيةُ الفظةُ، التي أَفرَغَتها الليبراليةُ من جوهرِها، بالتالي، اعتُبِرَت الرأسماليةُ المجتمعَ الوحيدَ المسيطرَ، والتقدميَّ حسبَ عصرِه.”