سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

رائحة صابون الغار تعبق مجدداً في مدينة حلب القديمة

تشتهر حلب بصناعة صابون الغار الذي تناقلته عبر الأجيال ومازال الحلبيون يحافظون على إنتاجه بالطريقة التقليدية منذ المئات من السنين، وترتبط بصناعته عائلات قدّمت للأسواق المحلية والخارجية أجود أنواعه حيث تعتبر أن صابون الغار الحلبي المُصنّع يدوياً لا يمكن أن يضاهيه الصابون المنتج بأحدث الآلات الحديثة.
تعبق رائحة الغار في أزقة وحارات حلب القديمة التي توطنت فيها صناعة صابون الغار عبر التاريخ، وانفردت عن غيرها من المدن بهذه الحرفة اليدوية التي برع الحلبيون بها ونقشوا أختامهم على قطع الصابون المرصوفة تحت قباب مصابنها العريقة، لتحمل هوية وتميز صناعها الذين توارثوا هذه المهنة عبر الأجداد حتى تكنوا بها وصبغت عائلاتهم بأسمائها.
يقول فادي قداح أحد أصحاب معامل صابون الغار في باب النصر، إنه يوجد أكثر من 80 معملاً في حلب وحدها وأصل تسمية صابون الغار نسبةً إلى شجرة الغار دائمة الخضرة المعروفة بفوائدها وأهميتها، موضحاً أن زيت الغار يستخرج من ثمار أشجار الغار يدوياً وهو زيت عطري يدخل في صناعة الصابون إضافة إلى زيت الزيتون.
وفي باب النصر وعبر شارع عتيق مقبى بأقواس حجرية تسمع صخب أصوات العمال في دار قديمة أُعدت لتكون منشأة لصناعة الصابون، هي مصبنة الزنابيلي حيث تتم عمليات تحضير وسكب مادة صابون الغار وتقطيعها وتنشيفها لتكون بعد أشهر جاهزة للتوزيع وجواز سفر للتعريف بهذه الصناعة العريقة.
وورث صفوان زنابيلي صاحب المنشأة المهنة عن أبيه وأجداده، وأتقنها واستمر في الإنتاج لسنين طويلة ليتوقف قسراً خلال فترة الحرب حيث تضررت منشأته لمحله بعد ترميمه لتبدأ فيه حركة الإنتاج من جديد.

 

 

 

 

 

 

 

عبق خاص بأزقة حلب القديمة
وترتكز صناعة صابون الغار على مجموعة من المواد الأولية وهي ماء الصوديوم وزيت المطراف الناتج عن زيت الزيتون ومادة زيت الغار الطبيعي، حيث يتم تذويب ماء الصوديوم في قدر كبير وتمديدها بالماء لتفقد خاصيتها الحارقة وإضافة زيت المطراف إليها على مراحل وتشغيل الحراقات تحت القدر لرفع درجة الحرارة حتى الغليان، مع التحريك المتواصل عبر محرك هيدروليكي داخل القِدر لتتم عملية المزج الكيميائي والوصول إلى التصبن.
وتابع: “بعدها تتم إضافة زيت الغار الطبيعي، ثم ضخ الصابون السائل اللزج وفرشه على مسطحات مستوية تحت أسقف القباب الحجرية وعزله عن الأرض باستخدام النايلون لحفظه من الشوائب، ويُترك لنحو عشر ساعات حتى يجف، تليها عملية التقطيع اليدوي باستخدام الجوزة وهي آلة خشبية لها مسننات يتم التحكم بها وفق أحجام الصابون المنتج الطويل أو المربع”.
خلطة بمقادير مضبوطة
ويوضح حسن تسقية أحد العاملين في المجال منذ سنوات طويلة، كيفية تقطيع ألواح الصابون باستخدام الجوزة التي تقيس ارتفاع لوح الصابون قبل أن تتم عملية تقطيعه، حيث يلبس العامل بقدميه القبقاب الخشبي المخصص لهذه العملية والذي يكون عازلاً للحرارة، ليتم فيه تمهيد الوجه العلوي للصابون قبل تقطيعه، بعد ذلك تتم عملية ختم الماركة المسجلة التي تخص كل مصنع صابون على الوجه العلوي للوح الصابون، حيث يكون اللوح طرياً قابلاً للنقش عليه ثم تليها مرحلة عقد الصابون ليأخذ راحته بعد التقطيع.
ومازالت حكاية صناعة صابون الغار الحلبي تكتب فصولاً جديدة في أزقة وشوارع مدينة حلب، رغم كل الحصار ورغم كل ما حلَّ بالمدينة من دمار وخراب.