تتدهور الأوضاع الاقتصادية في إدلب، وفي عموم المناطق، التي تأثرت بالحرب الدائرة منذ سنوات في سوريا، وما جلبته من ويلات، ونقص في الأموال، وتردٍ اقتصادي كبير، ألجا بعضَ الأهالي إلى امتهان مهنة العِتالة، هذه المهنة القاسية، مضطرين إليها، لتأمين قوت يومهم، متحدين بذلك الفقر، والعوز الذي يرزحون تحته، لكن بالمقابل، تضرّ هذه المهنة صحّة العتاّل الممارس لها على المدى الطويل، لأنها مهنة شاقة، تضعف بدن من يمارسها.
تقرير خاص نشرته نورث بريس، يبرز مدى معاناة أهالي إدلب، الذين يلجؤون إلى أعمال عدة لسد بعض الاحتياجات؛ فالعتالة هي إحدى تلك الأعمال الذي يمارسها الصغير قبل الكبير في العمر.
يحتمل إبراهيم العلوان (51 عاماً) من سكان معرة مصرين بريف إدلب الشّمالي، ألم ظهره وكتفيه، وهو يُنزّل صناديق الفاكهة، والخضار من السّيارات في السّوق، متخوفاً من زيارة الطّبيب، الذي سيمنعه عن العمل.
ويقول: “ظروف الحياة الصّعبة، أجبرتني على تفريغ ثلاث، أو أربع سيارات يومياً، فأنا بحاجة للإنفاق على زوجتي المُصابة بالسّرطان، وتأمين لقمة عيشي”.
ومنذ ستة أشهر، اكتشفت زوجة “العلوان” إصابتها بسرطان الثّدي، ويبلغ ثمن أدويتها الشّهرية المُسكنة للألم 200 ليرة تركية، وسجلت اسمها للدخول إلى تركيا وتلقي العلاج.
ويتقاضى الرّجل مبلغ ثلاثين ليرة تركية يومياً، وهو مبلغ غير كافٍ، لذا يعتمد على المبالغ المُتقطعة التي ترسلها له ابنته من تركيا، ويقطن في الحي الشّمالي مجاناً بمنزل غير مجهز.
ويُعيل الخمسيني أحفاده الخمسة الأيتام، بعد أنّ توفي اثنان من أبنائه في الأحداث السّورية، كما قال.
وفقد ابنه الأكبر حياته بغارة جوية أثناء وجوده في بلدة خان السّبل أواخر 2019، وكان يعمل على سيارته لإجلاء السّكان، بينما الآخر فقد حياته بعد انضمامه للقتال في صفوف الفصائل ضد القوات الحكومية في 2020.
ومنذ منتصف 2020، بدأ الرّجل البحث عن عمل، بعد فصله من وظيفته في شركة المياه التّابعة للحكومة السّورية.

عمل مرهق
ومن جانبه يقول عبد الله اليوسف (40 عاماً) وهو أحد أطباء الأعصاب في إدلب، إنّ تأثير حمل الأشياء الثّقيلة يختلف من شخص لآخر “الأمر مرتبط بالقوة العضلية والوزن”.
وفي حال حُملت أوزان ثقيلة دون جاهزية، سيؤدي ذلك لتمزق الأربطة والأوتار، وأضرار في العمود الفقري والعظام، أو حدوث انزلاق في أحد غضاريف الفقرات، بحسب الطّبيب.
ويشير “اليوسف” إلى أنّ الأحمال الثّقيلة تؤثر على نمو الأطفال بشكل سلبي، “تتسبب لهم بإصابات بليغة ككسور في العظام وشّد العضلي”.
ولا يخفي حسان الخلوف (14 عاماً) النّازح من قرية بابيلا بريف إدلب الجنوبي إلى مدينة إدلب، خوفه وهو يحمل مواد البناء من رمل، وحصى، وينقلها إلى الطّابق الثّاني، بعد أنّ سقط أحد رفاقه، من شرفة غير مُكتملة البناء في الطّابق الأول.
ومنذ شهرين، سقط طفل بعمر عشر سنوات، من الشّرفة أثناء عمله في نقل الطّوب الإسمنتي، ما تسبب له بكسر في قدمه وجرح برأسه.
ويكابر الطّفل على إرهاقه، لأنه مجبر على إعالة اسرته، بعد تعرض والده لإصابة في الحرب عام 2019، وهو أكبر إخوته الثلاثة، “يجبرني الفقر
وتفشي البطالة على التّحمل، فأنا لم أجد غير هذا العمل رغم بحثي المتواصل”.





