سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تربية الجمال في الإمارات.. تمسّك بالتراث وانعكاس للحضارة البدوية

الإمارات/ غزال العمر ـ

انبثقت مدينة العين الواقعة غربي العاصمة الإماراتية أبو ظبي كغيرها من مدن صحراء الإمارات، من بطن الصحراء بطفرة حضارية وعمرانية، واقتصادية غير مسبوقة، وشقت طريقها بقوة نحو التمدن، غير أنّ السكان الأصليين لهذه المنطقة، لا يزالون متمسكين بعاداتهم ومواريثهم، التي غرستها الأرض فيهم، وعمقتها هويتهم المتأصلة فيهم، فجاءت المنافسة بين الأهالي على تربية الإبل الأصيلة، وإكثارها والاهتمام بعلومها، وبمختلف الأمور المتعلقة بها، عادة سائدة ليس لأنّها هواية وحسب، بل ينظر إليّها على أنها تعزز هوية الإنسان، وتعمق جذوره وانتماءه لهذه الأرض·
بالرغم من الطفرة الحضارية، التي تشهدها دولة الإمارات العربية المتحدة في مختلف النواحي الفكرية والثقافية والاقتصادية، ومع كثرة الثقافات التي انهالت عليّها من كلّ جانب، يبقى ابن الصحراء متمسكا بعاداته وقيمه رغم انفتاحه وتطوره.
حبّ وشغف وتمسّك بتربية الإبل
العم خالد الماجدي رجلٌ في عقده السابع من سكان إمارة العين، جدٌ وأبٌ لأبناءٍ وأحفادٍ كُثر؛ يحكي قصته مع تربية الإبل لصحيفتنا “روناهي” والاهتمام بها قائلا: منذ أن فتحنا أعيننا على الدنيا، وكانت الإبل ملازمة لنا في كل وقت، لم تفرقنا متغيرات الزمن عنها، فالإنسان لا يتجرد من هويته، لأنه أصبح منعما بعد فقر، أو شهد تطورا بعد أن كان يعيش في صحراء قاحلة، والإبل هي جزء من هويتنا، ولا يمكننا التفريط فيها·
ويؤكد الماجدي: على أن النهضة التي شهدتها البلاد في عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان ”رحمه الله”، ومن ثم عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ”حفظه الله”، لم تعنِ يوما أن ننسلخ من هويتنا، وننسى مواريثنا وقيمنا، فنحن اليوم في أمس الحاجة، لأن ننقلها إلى أبنائنا ومن بعدهم من الأجيال القادمة، فالثروة الحقيقة التي يحتاجها أبناء الإمارات اليوم، هي الحفاظ على تراثهم وقيمهم وهويتهم، وهذا تحديدا ما سعى إليّه شيوخنا الكرام وأعيان البلاد· ويضيف: “الحفاظ على هذه العادة وتربية الإبل، وإكثارها ومختلف علومها جزء متأصل فينا، ويجب أنّ نحفظه وننقله لأبنائنا كما علمنا إيّاه من سبقونا من الآباء والأجداد، خاصة أنّ لها مردودا جيداً على النفس، لما تُكسب الشخص من الصبر والقدرة على التحمل، وتعزز في النفس السلوك الطيب، فيتعلم الإنسان سعة الصدر والرحابة، ويصبح شخصا كريما مضيافاً، يتعلم كيف يجالس كبار السن، وكيف يغض الطرف عن الضعفاء، وتغرس فيه حب استكشاف الأرض بما تحمله من خبايا وأسرار، وإنني أجد في تربية الإبل متنفسا ومصدرا للراحة، وعشقي للإبل ليس وليد اليوم، بل هو منذ الصغر وسأعلمه لأبنائي، وسأوصيهم بأنّ يعلموه لأبنائهم مستقبلا”·
ويشير الماجدي: إلى أنه “في إحصاء عام 2003 بلغ عدد الجمال ثمانية عشر ألف جمل في العين من مختلف السلالات نظرا لأهمية الجِمال، وارتباطها الوثيق بحياة أهل الإمارات في الحل والترحال، حيث كانت مصدراً هاماً للغذاء، خاصة في الولائم الكبرى والأعراس، وأيضاً تعدّ وسيلة للتنقل في الصحراء، وتشارك في السباقات التراثية خاصة سباقات الهجن، ومسابقات الجمال ”المزاينة”.
صفات أصيلة تميز الإبل الإماراتية
ويتابع الماجدي كلامه “من هنا جاء اهتمام دولة الإمارات بالإبل العربية الأصيلة؛ لأنّها تمثل جزءًا من اهتمامات ابن الإمارات، وسعت الدولة جاهدة للإكثار من السلالات الأصيلة المعروفة، فحافظت على نسل الأصايل ولم تهجنه أو تخلطه بسلالات غير أصيلة، لكونه يمثل ثروة حقيقية لهذا البلد، خاصة أنّها تمتاز بجمالها ورشاقتها وقدرتها على الجري، إلى جانب تحملها الظروف البيئية الصعبة، ومن هذه السلالات: ضبيان، صوغان، الوري، مصيحان، هملول، الأصيفر، سمحون، ذيبان، الواريه، المرية، توق، الشطوطيه، الشمطيه، العالية، الغزيلة، الطيارة، المسك، الزعفرانه، الطفرة، الشعلة، دبيس، وكان عدد الإبل في العين عام 1983 يقدر بما يقارب أربعة وأربعين ألف رأس، ارتفع إلى 178173 ألف رأس في عام 2003 نظرا للاهتمام الكبير، الذي أولته الدولة للجمال باعتبارها إحدى الثروات الحيوانية، التي تفخر بها الدولة”.
تمسّك المرأة الإماراتية بتربية الإبل
من جهتها تقول شيماء الساجري امرأة ستينية؛ وأم لسبعة أولاد من سكان مدينة العين الإماراتية:” أنا ابنة الصحراء، أعشق رمالها وترابها، لذلك جعلت من مزرعتي قِبلة لمحبي الإبل”.
وتتابع، أنّها بين النوق والإبل تقضي أيامها، وعلى أصوات أنفاسها تعلمت فنون الصبر، شعارها الذي جعلها عاشقة لـ «الحلال» أن «الإبل إذا حلبت روت، وإذا نحرت أشبعت، وإذا حملت أثقلت، وإذا عشقت أوفت».
تعدّ مربية الإبل شيماء من أوائل النساء الإماراتيات في إمارة العين، اللواتي يملكن الإبل وترعاها، وتشرف على تربيتها بنفسها، وتذهب بها إلى الأسواق لبيعها، أو للمشاركة بها في المهرجانات الشعبية، التي تشهدها الدولة سنوياً.
صديقة وفيّة
تقول شيماء الساجري لصحيفتنا “روناهي” «أنا من أولى النساء المتخصصات في رعاية الإبل بالدولة، وعشقي لتربيتها لم يأتِ من فراغ، إذ نشأت في عائلة تهتم بالإبل وتربيها، لذلك أنا قريبة منها، قضيت سنوات طفولتي وشبابي بينها، وتعلمت أصول تربيتها، وأسرارها على يد والدي».
وتضيف شيماء «في جوف الليل البارد أبدأ يومي، حيث أناجي صديقتي (مريحة) وأفضفض لـ(عطية) بهمومي، وتعلمني (واضحة) الصبر وتحمل الشدائد، (مريحة) و(عطية) و(واضحة) هي أسماء النوق التي أمتلكها، وأقوم برعايتها بنفسي طيلة اليوم، اخترتها واعتبرتها رفيقة الدرب وصديقة وفية أسرد لها أسراري ومشكلاتي، وتسمعني من دون كلل أو ملل».
وتكمل حديثها عن صديقاتها «منذ اليوم الأول، الذي اخترت أن تكون تربية الإبل عالمي، أدركت أن دربي غير ممهد بالورود، فالمنافسة شرسة والمشوار طويل، في مجال طالما كان حكراً على الرجال، ولكن منذ أن طرقت هذا الباب حرصت على تعلم كلّ كبيرة وصغيرة في فنون وأسرار اقتناء وبيع الإبل، وأصبحت من أولى الإماراتيات اللواتي اقتحمن مضمار السباق».
وتروي شيماء «في الساعة الثالثة فجراً، أبدأ رحلتي مع (البوش، أي النوق بلهجتها المحلية) بالاطمئنان عليّها، ثم ترويضها في الصحراء لبعض الوقت، وهذا أمر ضروري للحفاظ على صحة الإبل وسلامتها، وعقب ذلك أقدّم لها الطعام، وأنظفها وأغسلها بيدي، وأقدم لها الماء، وأُلبسها وأضع عليّها علم الدولة، حلمي الوحيد أن أنجح في مهمتي، التي وهبت لها حياتي، لأمثل دولة الإمارات محلياً ودولياً في عالم سباقات ورعاية الإبل»، وتضيف بلهجة الفخر والاعتزاز: «أنا ابنة الصحراء، أعشق رمالها وترابها، لذلك جعلت من مزرعتي قِبلة لمحبي الإبل، ولاستقبال السياح والضيوف، حيث أحاول أن أقدم الموروث الإماراتي مع أطباق العيوش والمكبوس والبرياني، وكلّ رشفة حليب، لأعرف ضيوفنا على عاداتنا المحلية في حسن الاستقبال وكرم الضيافة».
رفيقة الدرب
وتشير عفراء المنصوري، وهي أيضا من مربيات الإبل المميزات في المنطقة” إلى أن للإبل فوائد أخرى غير تلك التي نتباهى بها في المسابقات، فحليبها يستخدم في معالجة عدد من الأمراض، ولذلك أحبها أهلنا وعشقوها، لأنّها كانت رفيقة الدرب لهم، ومعينهم في الحياة القديمة، فهي وسيلة نقل ورفيق درب في الصحراء الموحشة، ومصدر للحم واللبن والوبر، ودواؤهم في مرضهم”.
وعن أهم التحديات التي واجهتها، كونها امرأة تغزو مجالاً ظل لسنوات طويلة حكراً على الرجال، تجيب عفراء المنصوري «أعشق هذه المهنة، ولا أشعر أن هناك فارقاً بين الرجل والمرأة في هذا المجال، ففي بداية الطريق كنت لا أجد من يساعدني في بعض أمور الرعاية، أو أثناء تجولي بناقاتي خارج المزرعة في الصحراء».
أما بخصوص نظرات الرفض لوجودها في عالم اقتناء وبيع الإبل، فتقول «لا أنكر أنّ تلك النظرات السلبية الممزوجة بالدهشة، والرفض موجودة أحياناً، عندما يراني بعض الرجال أتجول بالبوش في الأسواق، أو أشارك بها في الفعاليات الوطنية والفلكلورية، ولكني أفخر بما أقدمت عليه، وأتمسك بمهنتي التي أجيد فنونها كلها، ولذلك كان زوجي، رحمة الله عليه، يحرص على مرافقتي في جولاتي كلها، ولكن بعد وفاته عزمت على ألا أسمح لتلك النظرات، أنّ تعيق مسيرتي في مجال أعشق تفاصيله كلها».
دروس من العِشرة
وحول الصفات التي اكتسبتها من خلال تربية الإبل، تضيف «الصبر والجلد، والمثابرة والكتمان، والحكمة والاعتماد على النفس، فنون يكتسبها من يتعامل مع الجِمال، واجهت الكثير من الأزمات، التي يمكن أن تهدّ الجبال، بدأت بفقدان زوجي ورب أسرتي، ثم حادث مرير مرّ به اثنان من أبنائي، ولكن عشرتي مع النوق جعلتني لا أعترف بالنهايات، بل أتمسك أن أبدأ من جديد».
وتتابع عفراء «لا أنسى تلك الليلة التي قصدت فيها مزرعتي لأفضفض لناقتي (عزيل) همي، لتحتضنني وتمدني بطاقة إيجابية جعلتني أواصل طريقي بكلّ عزم وقوة، وثبات لأتمكن من إكمال دراستي الجامعية، وكذلك الحصول على درجة الماجستير والدكتوراه في تكنولوجيا العلوم وتطوير المناهج، وأكمل مهمتي كأمّ، حتى تمكنت من تربية سبعة من الأبناء أكملوا دراساتهم الجامعية، ويعملون الآن في مناصب قيادية بالدولة، وأتم الخالق علي نعمته وكرمه بأن رزقني بستة أحفاد ينيرون حياتي بالأمل والتفاؤل».
أما عن أحلامها وطموحاتها المستقبلية، التي تسعى لتحقيقها خلال الفترة المقبلة، فتقول: «أطمح أن أدخل عالم تدريب الإبل، وتأهيلها للسباقات الدولية، وأتمنى أن أكون نجحت خلال تجربتي في عالم اقتناء وبيع الإبل في نقل رسالة مهمة للجميع، أنّ نساء الإمارات قادرات على العطاء في المجالات كلها، وأنّه لا عيب ولا خجل من العمل طالما كان شريفاً وقائماً على الإيمان بنبل وسمو الهدف، وأتمنى أنّ أكون مثالاً للجيل الجديد ليتمسك بمهن وحرف الأجداد، فهي فخر ووسام فوق صدور أبناء الإمارات».
أسماء النوق
تشرح عفراء المنصوري، في وصف أنواع الإبل، أنّ هناك العديد من المسميات التي تطلق على الإبل في مراحل نموها المختلفة، التي تختلف حسب الأشهر والسنوات، ففي الأيام الأولى من الولادة يطلق على المولود مسمى «حوار»، وأحياناً يطلق على المولود الذكر «قعود»، والأنثى «بكرة»، وبعد أن يكمل الشهر السادس يطلق عليه اسم «مخلول» إلى عمر السنة، وأثناء هذه المدة يفطم عن الرضاعة من أمه، ومن ثم يطلق عليه «مفرود»، وفي هذه المرحلة يفرد عن أمه، وبعد ذلك تطلق عليه مسميات أخرى ومنها «لقى» إذا التقى بأخيه، الذي يأتي من بعده، وبعد أن يصل المولود إلى عمر أربع سنوات يطلق عليه مسمى «الجذع»، ثم «النصوف» و«الفاطر».