سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

صورٌ من تاريخ الرّقة… ثوراتٌ بوجه المحتلِّ وتعزيزٌ للعمرانِ والأمانِ

عين عيسى/ حسام إسماعيل ـ

وجدت الدولة العثمانية صعوبة في حفظ الأمن بمنطقة الرقة والجزيرة، وكانت القوة العسكرية، التي ترسلها إلى الرقة حقّقت الأمن وقتياً، فما أن تغادر المنطقة، حتى تعاود العشائر إشعال الثورة بوجهم مرة أخرى، وفي كثير من الأحيان كانت الإدارة العثمانية تعمد الى الاتفاق مع إحدى العشائر القوية؛ للقيام بمهمة القوة العثمانية في حال غيابها، ولكن تلك الإجراءات لم تحقق النجاح المطلوب منها، وهذا ما دفع بتلك الإدارة الى إقامة مخفر دائم في الرقة سنة 1860م بهدف مراقبة عبور النهر، وضمان السيطرة والهيمنة في المنطقة، ويظهر أن وضع ذلك المخفر، أتى بعد انتفاضات بعض القبائل ضد السلطة العثمانية، التي تمكنت من الايقاع بقوة عسكرية عثمانية أرسلها والي حلب؛ لإخماد تمرد العشائر، ولازال أفراد العشائر، يرددون قصيدة قالها الشاعر الشهير حليلة ذياب الشعباني:
“ثريا باش خيّم عالشريعة
يريد بلادنا غصبن عن أهلها
ما بين زعيج والرقة سمرة
بان الفارس آل منهم ومنا
طردنا عسكرو واليوزباشي
وطواجيهم كورد الدود حنا
أحنا ملوك والتاريخ يشهد
أحنا زبيد ما نعطي وطننا
الاستقرارُ بعد الثورةِ
ولكن الوالي ثريا استطاع أن يتقدم بقوة عسكرية كبيرة، وأن يخضع المنطقة والقبائل الثائرة، واصطحب شيوخ هذه القبائل معه إلى دير الزور، ويعد المخفر العثماني نقطة تحول وبداية في الاستيطان البشري بالرقة، وعودة الحياة إليها، واختير موقعه في مكان قريب من النهر، بين أطلال قديمة، فبني المخفر في المنطقة الممتدة حالياً من بناء دائرة البريد غرباً، وحتى مدرسة الحرية شرقاً، وشيد من الطوب الطيني، وأحيط بجدار من الطوب الطيني أيضاً، كذلك ويضم بعض المهاجع للجنود، وفي الجهة الغربية مستودعات واصطبلات للخيول، وغير ذلك في الجهة الشرقية، كما شيد في العام نفسه، وعلى بعد مئات الأمتار، وفي الجهة الشرقية من المخفر مسجد بسيط من الطوب بمساحة تقدر 800م2 تقريباً، حيث اتخذ مكاناً لمديرية الأوقاف لاحقاً، وبدأ شكل الحياة الاجتماعية يأخذ بعداً جديداً، وذلك ببناء السرايا (دار الحكومة).
 وفي سنة 1861 شيدت السرايا بالطوب بالموقع الحالي نفسه لمتحف الرقة، وألحق بها سجن بالموقع نفسه في البناء من جهته الشرقية، وأنشئت مساكن في الجهة الشرقية المقابلة للسرايا، وكان كل مسكن مؤلفاً من غرفتين ومطبخ، وخُصّصت تلك المساكن لإقامة موظفي الدولة.
الهجراتُ… شكّلتِ النسيجَ الاجتماعيَّ الحاليَّ
وتتفق مختلف الروايات المجموعة من المعمّرين من السكان، أن النواة السكنية تشكلت تدريجياً في الرقة من تجمع الأسر، وإقامتها قرب مخفر الدرك العثماني، وكانت أوائل المجموعات الوافدة إليها عبارة عن أفراد، وليس على شكل عشائر وكان هؤلاء يجلبون سلع الحياة البدوية لبيعها، أو من الفلاحين الذين عملوا في الزراعة على ضفتي الفرات في أعقاب فيضاناته، وكانوا يبيعون محاصيلهم قبل العودة إلى أوطانهم، بالإضافة الى موظفي الدولة العثمانية، وبعض رجال الدين.
وما عزز الحياة المدنية في المنطقة قدوم هجرة بدوية كبيرة من عرب “عنزة”، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتدعم موجة أوائل المهاجرين، فاستقرت “الولدة” الى الغرب من البليخ بين مسكنة وأبي هريرة، ومخفر الحمام في حين سكن (ضنا ماجد) شرقي البليخ، وكانوا ينتجعون شتاء الى الشامية.
الرقة بأقلام المؤرخين في القرن التاسع عشر
وتشير /الليدي آنا بلنت/ التي مرت بالرقة سنة 1878، إلى وجود خيام مسكونة، أما الدكتور /زخاو/ الذي زار الرقة أيضاً في سنة 1879 شهر كانون الأول، فيعطينا وصفاً دقيقاً لمختلف جوانب الحياة في الرقة بقوله :”عدد السكان الحالي للرقة لا يتجاوز المائة نسمة، من بينهم القائم مقام والضابطية “الدرك “وكانوا من منشأ بدوي عددهم ما بين (30ـ 40) رجلاً، كما شاهدت عدداً من العطارين المهاجرين من مدينة حلب، شاهدت ما بين أربع الى خمسة عشر مسكنا، تقع في الجنوب الغربي والعدد نفسه على مقربة منها عند السور الجنوبي، ومن هذا السور يستطيع الإنسان أن يرى الأرض المنبسطة، التي تؤدي إلى سفينة عبور الفرات”.
وقد كان أهل الرقة يتكلمون اللهجة العامية للصحراء العربية “أنها صورة واضحة عن طفولة الرقة المبكرة في مرحلة العمار والانبعاث، الذي أسست لموجات الاستقرار والإعمار لمدينة الرقة الحالية”.