سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الثورةُ الفكريّة الكرديةُ في روج آفا

صلاح مسلم_

إنّ المتتبّع لتطوّر التفكير عند الطبقة المثقفة الكرديّة، منذ القرن الماضي حتّى القرن الحاضر، سيلاحظ الثورة الفكريّة في القرن الحالي، لا سيّما بعد ثورة روج آفا، وهو تطوّر متسارع جدّاً، عبر سلسلة من أسس للثقافة وللفنّ، وللتربية، وللشبيبة، وللمرأة ما بعد ٢٠١١.
يمكننا تقسيم التطوّر الفكريّ لدى المثقّفين إلى أربع مراحل:
المرحلة الطبيعيّة: ما قبل ظهور الأحزاب، وكانت منقسمة إلى تيّارات صوفيّة نقشبندية، وفكر إيزيدي، وفكر إقطاعيّ متخبّط ما بين الإيزيديّة الكرديّة، والنقشبندية، والإسلاميّة السنّيّة البسيطة، وفكر طبيعي متمثّل بإدارة المرأة للعائلة الكرديّة، المنعزلة عن الدولة، وبدايات نشوء النخب الفكريّة الليبرالية المتمثّلة ببعض الشخصيات، التي درست في أوروبا حاملة معها بعض رياح التغيير، التي لم تكن تؤثّر على الساحة الكرديّة.
المرحلة الكلاسيكيّة: امتدّت منذ نشوء أوّل حزب كرديّ في عام 1957 حتّى عام 2011، وقد كانت النخب الحزبيّة السياسيّة حينها تبدأ بالسيطرة على الساحة الكرديّة، وكانت تعيش في صراع فيما بينها، وكانت شعارات اليمين واليسار، واجهات اسميّة ترسّخ العشائريّة والطبقيّة، واصطدمت بالصوفيّة النقشبنديّة، وبالإسلاميّة السنيّة البسيطة، وكانت النقاشات السياسيّة حكراً على قياديي الأحزاب الكرديّة، واستطاعت الدولة تفكيك هذه الأحزاب، بل شطرها، وكلّ حزب يقول: أنا الأصيل، والآخر مزيّف.
مرحلة الخلخلة الفكرية: وامتدت ما بين ٢٠١١ حتى الانتصار على داعش، وبدايات مأسسة الفكر والثقافة، والتربية والإعلام، وقد كان الفكر متصارعاً حينها وفي أوجه، ما بين سيطرة الشباب على الساحة الثورية، وقيادة تركيا والخليج وأوروبا لهذا الحراك، وقد نسف هذا الحراك القواعد الكلاسيكية السابقة كلها، فحارب الشباب المتحمسون الأحزابَ، مع أنها لم تكن تمتلك مشروعاً نهضويّاً أو فكريّاً، أو برنامجاً سياسيّاً، وبدأت بعض الأحزاب الكردية تتخبّط في تبنّي هذا الحراك الثوري، أو محاربته، أو احتوائه وتوجيهه، لكنّ التحول في مفهوم الثورة بشكل عام، وسيطرة الإسلام الأصولي عليه بعد فترة بسيطة، أدّى إلى خلخلة وضع الشباب الثوري، وبعد ظهور داعش، تخلخلت الأمور أكثر، وتعقدت، وانتصرت فكرة تعايش الشعوب.
مرحلة النهضة الفكرية: كانت بداياتها في ٢٠١١ عبر بعض المؤسسات الإعلامية، ومؤسسة اللغة الكردية، ومعاهد التدريب، ومؤسسات الثقافة والفن، وبدأت النهضة الثقافية بعد القضاء على داعش، إذ تطور الفكر عبر هزيمة الثورة الإسلامية الأصولية، ومعها تراجع تأثير الصوفية الإسلامية الكرديّة، وتأثير الأحزاب، التي تسلقت موجة الثورة الأصولية، وظهر التناقض ما بين قيادي هذه الأحزاب، وتشرذمت الأحزاب الكردية الكلاسيكية، وانشطرت، إلا من لم يستغل موجة الثورة الأصولية.
بالطبع لم يصل الفكر بعد إلى ترسيخ هذه النهضة، فالمنطقة بدأت تواجه حرب الدولة التركيّة المباشر على هذا المشروع النهضوي، فقد كان حرب الدولة التركيّة غير مباشر حتّى سيطرة داعش، لكن تحوّلت إلى حرب مباشرة بعد احتلال عفرين، وكري سبي/ تل أبيض حتى سري كانيه، وحرب الطائرات المسيّرة وسط صمت دوليّ مخجل متناقض.