سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

امرأةٌ بريفِ دمشقَ تخرقُ خطوطاً حمراءَ بدراجتِها الناريّةِ

كأي أم أخرى، تبدأ آلاء النفوري (32 عاماً) نهارها منذ السابعة صباحاً، بإنجاز واجباتها المنزلية، لكنها تبدو مختلفة بعد قليل، حين تحضّر الطلبات التي استقبلتها عبر الهاتف، والماسنجر في اليوم السابق، لتنقلها على دراجتها النارية.
وفي عام 2019، بدأت آلاء مشروعها في مدينتها النبك بريف دمشق، فقامت بداية بتحضير مربيات، وطبخات شعبية، سوّقت لبيعها عبر حساب صفحة لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
ومرت آلاء بصعوبات كثيرة، غالبيتها تتعلق بعدم تقبل المجتمع المحلي، لعمل امرأة تقود دراجة نارية، وتسوّق لمنتجاتها دون مساعدة أحد. غير أنها وبعد مرور عامين، أصبحت من أشهر السيدات في مدينتها؛ لتتمكن من إعالة أطفالها الثلاثة، مما تجنيه من عملها.
وتشمل الأطعمة التي تعدّها “آلاء” مربى الكرز، والمشمش، والمنتج المعروف في سوريا باسم “قمر الدين” وأصنافاً للكبة وللفطائر النبكية، تبيعها لعائلات في مدينتها.
ولكل موسم منتجاته الأبرز، ففي الصيف تعدّ حلوى “قمر الدين”، وفي الشتاء تسوّق التين اليابس، وأصنافاً من الخضار المجففة، أما الكبة بأنواعها، فموسمها لا ينتهي في النبك، التي تشتهر بها.
جربت آلاء توصيل بعض الطلبات بدراجة هوائية، لمسافات قريبة نسبياً، ثم اختارت الدراجة النارية، التي توفر الجهد والوقت: “وحتى تصل الأغذية طازجة بمنظر جيد”.
العمل المتواصل جزء من كيانها
ويحوي صندوقها المثبت على دراجتها كثيرا من الطعمة الطازجة، ما يساعدها على حفظ المنتجات، وإبقائها آمنة أثناء الطريق، وهو ما لم تكن الدراجة الهوائية توفره، لا سيما خلال الصيف الحار.
وتعمل أغلب الوقت على دراجتها، متخذة كل نشاط، وعمل في سبيل تأمين الطالبات الخارجية في وقتها المحدد، حتى أصبحت معتادة للعمل في أحلك الظروف، وأيسرها رافضة بذلك روح الاتكالية، وخالقة فرص عمل تقيها شرّ الوضع الاقتصادي المنهك.
وفي مدينتها وسائر المناطق السورية، يتقبل غالبية الناس عمل المرأة في الأعمال الزراعية، وبعض الوظائف الحكومية، فتمكنت آلاء من تجاوز القيود، التي فرضتها الأعراف لعقود وربما قرون مضت، لكن الأمر لم يكن سهلاً.
“لن أقود سيارة”
وكان أول المعارضين لقيادة الدراجة النارية، أهلها وأقاربها، لكنها نجحت في تحدي الجميع. تقول لوكالة نورث برس: “تحدَيتُ المجتمع كله لأعيش بكرامة”، في إشارة إلى أن المجتمع المحلي، ما زال ينظر لمسألة قيادة الفتيات والنساء للدراجة النارية أمر غير مقبول.
لكنها تحدت المعتقدات لتتجاوز هذا الخط، حتى تبدأ فصلاً جديداً من حياتها. تستذكر الآن ردها على أشخاص كثيرين تنمروا عليها بتوجيه عبارات من قبيل: “ما بتخجل من حالها”. فكان ردها: “لماذا يجب أن أخجل! ما دمت أعمل بكرامة”.
تحاول الآن تشجيع فتيات من معارفها في المدينة على التفكير، خارج قيود المجتمع، ليفعلن بثقة ما يحتجن إليه من خطوات لتحسين حياتهن.
وترى أن الاعتقاد السائد في المجتمع مثل “لصق قيادة الدراجة النارية بالذكور” ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً.
تقول إنها لا تفكر في أن تتخلى عن دراجتها: “فلن أقود سيارة أبداً”.
ومن الصعب جداً أن يتمكن سوري موظف، أو عامل يعتمد على دخله من اكتساب منجزات حياتية، حيث تعدّ اعتيادية في بلاد أخرى كاقتناء سيارة أو شراء منزل.                                                                                                                 
عائلتي مصدر سعادتي
لا تحبذ آلاء الحديث عن تفاصيل شخصية حول ما تسميه “تعاسة سنوات سابقة”، فالأولوية الآن لأطفالها، التي تحلم أن تنقضي الحرب وأزماتها، كي يعيشوا بأمان وسلام في بلادهم.
تصور آلاء كل ما تنتجه وتسوقه عبر صفحة على موقع فيسبوك، وتضع رقماً للتواصل والتوصيل، تقول إن  “السوشيال ميديا” ساعدتها في الكسب من عملها.
وترتبط علاقتها مع زبائن عملها الخاص كثيراً من المودة والاحترام، حتى في الأوقات التي تكثر فيها الطلبات، كشهر رمضان والأعياد.
وتعامل الباعة مع السوق مثل بائعي المواد في البلاد كلها، يرفعون أسعار منتجاتها مع كل غلاء للمواد الأولية، أما هي فتحرص أن تبقى نسبة الارتفاع في حدود مواكبة التكاليف التي ازدادت.
وفي المقابل لا ينتهي التنمر، فهي تسمع بأذنها: “حتى الشتائم أحياناً”.
لكنها لا تكترث لأي كان: “فكل ما يهمني ألا ينام أطفالي جياعاً، وأن أقدم لهم ما يحتاجونه ليكونوا بخير وسلام وصحة”.
وكالات