No Result
View All Result
بسام موسى (شاعر وناقد لبناني)_
يَسكُبُها الحنينُ قصائدَ مُشَرِّفَةً من أعلى السُمُوّ، باذِخَةَ الألقِ، وهي في حَضرَةِ الشِّعرِ، يُنَقِّطُ الحُلمُ حروفَ الماءِ، وَيُشعِلُ كِبريتُ التَذَكُّرِ مَواقِدَ الإبداعِ والدَّهشَةِ، والسحر؛ِ لِيُعيدَ تَرتيبَ ألوانِهِ في مَشهَدٍ، يَحبسُ أنفاسَ الشمسِ، ويُسقِطُ القَمَرَ في لُجَّةِ المَعنى، اللغة في يدها مسبحةُ الشتاء والمعنى خُبزُ الضياء، ونصُّها النثريُّ شَغَلَ حيزاً مضيئاً في فضاء الأدب، وَوَلَجَ فضاءاتٍ ممتدةً متناوِلاً القضايا، التي ما زالت تُربِكُ عقلَ الإنسان، وتُشكِّل هواجِسَهُ.
وبقراءتي مجموعتَها البكر، تَيَّقَنتُ أن قصيدةَ النثر فرضتْ نفسَها؛ كونها أكثرَ لُصوقاً بالحياة، وتتطوّرُ جيناتُها تماشياً مع سرعة التحولات في ميادين العمل الإنساني، وقد شَرَّعَتْ لغتَها على الشَغَبِ الوارف للدلالات، والتأويلات الكَثَّة والجميلة.
جليلة بالفالح، شاعرةٌ تونسية قلقةٌ، نابضةٌ بالوعي، ومسكونةٌ بالتشهي إلى الأرقى والأسمى، رهيفةُ الإحساس، نبيلةُ المواقف، ممتلئةٌ محبةً وإنسانيةً، ذات أصالة، وللصداقة في علاقاتها امتدادٌ ووشائجُ دافئة، لغتُها خضراءُ تسيلُ مجرى السهولةِ المكتنزة بألغاز الأسئلة، وباحثة عن إجابات عنها، وقد أغواها البحثُ واكتناهُ السرّ في ثنيّات التخيّل، فاستزادتْ غوصاً، وتألقاً في إبحارها المدهش.
وبين هذه المتناقضات والاحتدامات العميقة الغَوْر، تبحثُ الشاعرة جليلة بالفالح عن طمأنينةٍ داخليةٍ، تَلُمُّ شَتاتَها المُبعثرَ بين سَيلِ الأسئلة والرؤى المتساقطةِ على النقاط الغامضة في عالَمها الرابِضِ على صفيحٍ ساخنٍ، ولا تلقى جواباً إلا في الانعتاقِ منها إلى العالم السماويّ حيث الصبحُ والخلودُ، والراحةُ الأبدية.
تقول في قصيدتها” تسابيحُ جَهْرِيَةٌ”: “ونادينا رَباً بالعِبادِ رؤوفْ/أني مسَّني الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الراحمين /انبَلَجَ الصُّبحُ وانشقّ القَمَرُ …”.
والعشق الصوفيّ الذي يَخبو أُوارُهُ أحياناً، لا يلبث أن يَتَفَجَّرَ في معابد العشق الإلهي طَوافاً واغتسالاً، وتَطَهُّراً من الواقع الصعب والدَّنَسِ الدنيويّ، تقول في قصيدتها “لن تقرأ شِعري، كافِرَةٌ بلُغَة العشق”:
“لم أجِدْ للعشقِ مَعبَدا/ أطوفُ بأركانه وأغتَسِلُ من الذنوب/ كلما أنهكتني الحياةُ وأعيَتْني/ أرتمي على أديم الأرض أشكو إليها…”
وإذا كان الشِّعرُ مَرْصداً لتسجيل الاهتزازات والتحركات الكونية التي تتراءى للشاعر في مرآته الخاصة، فيلتقطها وينشرها بروحه الخاصة، نافحاً فيها جملةً من القِيَمِ، التي تُشَكلُ إضافاتٍ ضرورية، فإنَّ شاشةَ التَّلقي لدى جليلة بالفالح تلتقطُ التَرَدُّداتِ الوطنيةِ كلها بكل تموجاتها، وها هي تقول في قصيدة “بين القبضتين”:
“اليومَ سأُمسِكُ بالوطنِ بين يديَّ/ أُحَدِّقُ به مَلياً/أنثُرُ تُرابَهُ عالياً/ ستكون سماؤه غطاءً لي/ أفتَرِشُ الأرضَ وأَعرُجُ …”.
هي العلاقةُ النَقيَّةُ بين الشاعرةِ والوطن، الأرض التي تعطّرَتْ بالكرامة والتضحيات على مذبح الحرية، ارتَقَتْ إلى مرتبة القداسة، فمنها ستعرجُ إلى سمائها وفضائها، وعالمها المُتَخَيَّلِ الجميل.
وهل العُزلةُ، وليس الانعزالَ، عند جليلة بداية الحقيقة الأدبية، وفرصة لابتكار مراياها الشعرية الخاصة؟ وهل تُعيدُ بذلك إحياءَ الأشياء المُنهَكةِ، وتُسَلِّطُ الأضواءَ عليها بعد أن كانت مُتهاويةً ومغمورةً؟ هي فلسفةٌ بكل مضامينها لدى الكثيرين ممن يرتقون سُلَّمَ التجلي، بل هي مَصنَعُ إبداعاتهم، تقول الشاعرة في قصيدة “ملاذي”:
“باتت غربة الذات ملاذي/ ما عاد الوطن غطائيَ/ ولا حضن الحبيب شفائي/ سأخون كليهما وأنفرد/ فالوحدة علاج للشعراء…”. جليلة بالفالح شاعرة تونسية، حَجَزتْ لتجربتها الشعرية فرادةً خاصةً، ولحضورِها الوارفِ جمهرةً من النُقّادِ، وضعوا قصائدَها تحت الأضواء الكاشفة، فأتعبهم السَّيرُ معها على طريق الحرير، حيث قوافلُ اللغةِ، تَعُجُّ بتوابلَ من نكهةِ سِحرِ تونس الخضراء.
No Result
View All Result