سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأثرُ النفسيُّ للتحرُّش الجنسيِّ بالطالبات في المغرب يطال أُسرَهنّ

تكشف قضية ما يعرف بالجنس مقابل النقط (الدرجات) في المغرب، عن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي داخل الحرم الجامعي، وضلوع أساتذة جامعيين في عمليات ابتزاز لطالباتهن، مقابل منحهن درجات جيدة تمكنهن من النجاح، ما يجعلهن يشعرن بالغبن، وهو ما من شأنه أن يؤثر على نفسيتهن، وتقديرهن، لذواتهن، وأجسادهن.
شهد عدد من المدن المغربية خلال الآونة الأخيرة، مثل سطات وطنجة ووجدة، قضايا أخلاقية تتعلق بالجنس مقابل الحصول على درجات جيدة، وقد شملت أساتذة جامعيين وطالبات، وأثرت على القطاع الجامعي في المملكة.
هذه القضايا التي أصبحت تعرف في المغرب بـقضايا “الجنس مقابل النقط (الدرجات)” وصلت إلى القضاء وتم تصنيفها جرائم اتجار بالبشر، وبلغت تداعياتها البرلمان وأثرت أخلاقياً واجتماعياً ونفسياً، ليس فقط على الضحايا بل على أسرهن أيضاً.
وتتابع المحاكم عدداً من المتهمين في قضايا “الجنس مقابل النقط” بـجريمة الاتجار بالبشر عبر استغلال الحاجـة والضعف والهشاشـة، ومن خلال إساءة استعمال الوظيفـة، والنفـوذ لغـرض الاستغلال الجنسـي مـع هتـك العرض.
كما دخلت هيئات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان على الخط، ودعت إلى إحداث “خط أخضر” على الصعيد الوطني للتبليغ عن حالات التحرش الجنسي، التي تطال الطالبات وحتى الأستاذات الجامعيات.
الهشاشةُ والطمعُ تسهِّل مأموريّةَ الطرفِ المعتديّ
ودخل “ائتلاف 190” على خط ملفات “الجنس مقابل النقط”، مطالباً بـ”رفع القبعة عالياً لكل الأساتذة، والأستاذات الشرفاء، بـفتح تحقيق نزيه وشفاف؛ لإنصاف ضحايا استغلال النفوذ، والابتزاز الجنسي، ورد الاعتبار لهن”، مع “متابعة الجناة ومعاقبتهم وفق ما تنص عليه القوانين”.
وفي بيان للائتلاف، الساعي لعالم خال من العنف والتحرش، سجل متابعته بـقلق شديد “انتشار ظاهرة العنف النفسي والتحرش الجنسي بالطالبات، بشكل أصبح يدنس قدسية الأماكن، التي تعدّ منابر لنهل العلم ونشر المعرفة، واكتساب آليات الدفاع عن الحقوق”، مضيفاً أن ما خٌفي كان أعظم.
وطالب الائتلاف بـتوفير الحماية والدعم للطالبات، اللواتي كسرن طابو الصمت وفضحن المستور، مع وضع آليات الاستماع، وهياكل للتتبع النفسي للضحايا وعائلاتهن.
وقالت ثريا لحرش فاعلة نقابية ناشطة في الائتلاف ” إن المطلب الأساسي هو أن يتم بحث نزيه وشفاف، وإنشاء وحدات استماع في المؤسسات التعليمية، والجامعات يتم فيها التعامل مع شكاوى الطالبات والطلبة”، قبل أن تضيف: “لا نقول إن الأساتذة كلهم متحرشون، بل نطالب أن يصل الملف إلى القضاء، ويجري التتبع النفسي للضحايا ولعائلاتهم؛ فالعائلات ضحايا”.
وتابعت ثريا قائلة: إن قرينة البراءة ننطلق منها، ولكن هذا لا ينفي كون هذه الممارسة موجودة”، ثم زادت مُدينة تصيير دور: “التقييم والتقويم مجالا للابتزاز والرشوة ولو بصيغة أخرى”.
وتم القيام بأبحاث وتحريات قادت إلى استدعاء بعض الطالبات، ممن يشتبه في كونهن كن ضحية لمحاولة الاستغلال الجنسي من طرف عدد من الأساتذة.
وأسفرت نتيجة البحث التقني المجرى من طرف مصلحة الاستعلام الجنائي، ودعم الأبحاث المتعلقة بالمشتبه فيهم عن إجراء أستاذ لـ103 مكالمات هاتفية بينه وبين طالبة، و132 مكالمة هاتفية بينه وبين طالبة أخرى خلال ساعات متأخرة من الليل.
وقالت ليلى الشرقاوي -الباحثة في علم النفس والمعالجة النفسية –: إن وضعية الأستاذ التراتبية تمنحه سلطة أكبر ليمارس عملية الابتزاز، الذي يضاف إلى التحرش، حيث تجد الضحية نفسها بين المطرقة والسندان”.
وأضافت: إن هذه الوضعية تدخل الطالبة في حالة نفسية صعبة، وتمس بتقديرها لذاتها وجسدها، فتبدأ تشعر بالذنب وتأنيب الضمير لأنها ربما تعتقد أن مظهرها الخارجي، لا يتلاءم مع صورتها كطالبة”، مشيرة إلى أنه من خلال تجربتها مع النساء ضحايا العنف تلمس دائماً نوعاً من المسؤولية الوهمية، التي تضعها المرأة على عاتقها رغم أن المتحرش، هو المسؤول الوحيد على سلوكه منطقياً وشرعياً وقانونياً.
وعدّت ليلى، في تصريحٍ لها لصحيفة “العرب:” أن المتحرش يطغى عليه نوع من الدوافع الجنسية ذات الطابع الانحرافي، والمليئة بالإيهامات الجنسية التي تأخذ بعين الاعتبار رغبة المرأة، ورضاها بما يجعلها أداة لتلبية رغبات المتحرش، الذي يستغل وضعيته الاجتماعية والمهنية لابتزاز الضحية”.
وأكدت ليلى على: أن الضحية لا تقوى على تقديم الشكاية مخافة اللوم، وسمعة العائلة، لأن هذه المواضيع لم تخرج من دائرة الطابوهات والفضائح.
وأشارت إلى وجوب إخراج موضوع الجنس من الطابوهات والتفكير فيه بطريقة عقلانية، وقالت: “نحن عهدنا أن نتكلم عما يجب أن يكون، أي المثاليات، ونسينا التفكير بروية وعن قرب في مشاكل تبقى طي الصمت”، ولفتت إلى أن هناك تمثلاً ذكورياً سائداً مبنياً على مقولة “يتمنعن وهن الراغبات” التي تفهم على أنه عندما تقول المرأة لا: فإنها تقصد نعم، وهذا تفكير مغلوط ومنحرف”.
تأثيرٌ واضحٌ
وصرحت إحدى الطالبات: إن الأستاذ كان مشرفاً عليها في مادة القانون الإداري، غير أنه ما لبث أن استغل صفته الجامعية من أجل إشباع رغباته الجنسية الشاذة، حيث صار يراودها عن نفسها خلال ساعات متأخرة من الليل، ويطلب منها إمكانية ممارسة الجنس معه بشكل شاذ، مقابل التوسط لها في تحقيق مبتغاها الجامعي، وهو الأمر الذي اضطرت إلى مسايرته كذباً بحكم نفوذه القوي بالجامعة، ومخافة التأثير على مسارها الجامعي.
وأكدت عائشة التاج الأستاذة الجامعية والباحثة المتخصصة في علم الاجتماع والتنمية الاجتماعية: “إن مسألة التحرش الجنسي في الجامعة لها تأثير واضح على نفسية الضحايا وعلى أسرهن، حيث هناك فئتان من الضحايا: الأولى هي فئة الطالبات اللاتي يتعرضن فعلاً للضغط والابتزاز وقد لا يستطعن الدخول في مواجهة صارمة، قد تجبرهن على اللجوء إلى الوسائل المتاحة للدفاع عن أنفسهن ضد التحرش، كاللجوء إلى الجمعيات المناهضة للعنف ضد النساء أو الجمعيات الحقوقية، وهي متوفرة في المغرب، والفئة الأخرى هي التي لها استعداد قبلي للدخول في مفاوضات، ومنهن من يقترحن تقديم خدمات مقابل حصولهن على الدرجات الجيدة، لأنهن لا يردن أن يتعبن في الإعداد للامتحانات أو البحث”.
للحدِّ من هذه الظاهرة يجب التوعيةُ بمدى خطورتها
وأوضحت عائشة: “إن الهشاشة والطمع والانتهازية تسهل مأمورية الطرف المعتدي، بل قد تتحول إلى شراكة أحياناً. وفعل التحرش بضغوطه المختلفة، يترك أثراً نفسياً بالغاً، ويغدو الأمر أكثر إيلاماً عندما يصدر من الأستاذ، زد على ذلك أن التداول الشعبوي للموضوع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أكسب المسألة بعداً فضائحياً أضر كثيراً بنفسية الضحايا وأسرهن، وأيضاً بالجسم الجامعي عموماً”.
وبخصوص الحالة النفسية للضحية، التي يتم استغلالها من قبل من يملك نفوذاً أكدت ليلى الشرقاوي، أنها تتمثل في الإحساس بالدونية وعدم القدرة على الدفاع عن النفس، خصوصاً أنها لا تجرؤ على تقديم شكوى نظراً للضغوط التي تسلط عليها، وأهمها نظرة المجتمع والمس بشرف العائلة، ما يسبب لها شعوراً بتأنيب الضمير، وقد تظن أنها هي السبب في دفع الجاني إلى ما أقدم عليه.
ودعا الأساتذة الباحثون إلى معالجة ظاهرة التحرش بالنساء بالجدية والسرعة الضروريتين، في إطار العمل على إرساء دعائم مجتمع العدل والمساواة بين الجنسين في الحقوق والواجبات.
وعدّت عائشة التاج أن هذه فرصة لحسم مسألة التحرش الجنسي داخل الجامعة، وفي مجالات الحياة العملية كلها، داعية الجمعيات المعنية بالموضوع إلى مواصلة يقظتها ومرافقتها للنساء سواء لمعالجة الظاهرة أو للوقاية منها، فتمكين النساء قانونياً ونفسياً أضحى مطلباً ملحاً للدفاع عن كرامتهن وأيضاً لضمان تكافؤ الفرص حسب الكفاءة والاجتهاد.
فيما أكدت ليلى الشرقاوي: أنه للحد من هذه الظاهرة يجب التوعية بمدى خطورتها: ومراجعة وضعية المرأة، التي تظل مبهمة في مجتمع يتطور بسرعة على المستويات كلها، ولا بدّ لأصحاب القرار أن يتدخلوا ببعث برامج تعنى بغرس القيم الإنسانية التي ترقى إلى مستوى دولة الحق والقانون والديمقراطية التي تدافع عن الحريات الفردية والجماعية وكرامة المواطن بصفة عامة.