ديرك/ هيلين علي –
بابتسامةٍ مشرقة، وعيونٍ تتطلع للمستقبل بأمل وصبرٍ وتحدي، تقف الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً في أحد أفران ديرك، لتبيع الخبز، وتتعامل مع الزبائن؛ لتكسب قوت يومها، وتعيل عائلتها.
خولة محمد، فتاةٌ لم تُسلم وعائلتها من ممارسات مرتزقة الاحتلال التركي الهمجية، تهجرت من جبل كزوان قبيل عامين، لتصبح من سكان مخيم “نوروز”، الواقع في ريف مدينة ديرك بشمال وشرق سوريا.
حياة المخيم القاسية والمريرة، كانت حافزاً للتغلب على ظروفها الصعبة، فهي الابنة الصغيرة الكبيرة، التي تعيل أهلها وتقوم بتأمين احتياجاتهم: “والدي رجل مريض، وأخوتي صغار، ومن واجبي أن أعمل” بكلماتٍ ملؤها الرضا، تعبر خولة عن حياتها.
تخرج خولة من خيمتها الكائنة في مخيم نوروز، باكراً لتصل إلى عملها في أحد أفران ديرك في الوقت المناسب: “أعمل ست ساعات، وأشعر بالسعادة، وأنا أعمل، وأقوم بواجبي”، تحصل على مردودٍ بسيط، بالكاد يغطي مصاريف عائلتها في ظل غلاء كبير يجتاح الأسواق.
تعيش خولة مع أخوتها الخمسة، ووالديها حياة بسيطة بخيمةٍ، تلعب بها رياح الشتاء، ينتظر أهلها عودتها بأرغفة الخبز والخضار، فهي المسؤولة عن إطعامهم، وتأمين احتياجاتهم.
التقت صحيفتنا “روناهي” أمّها التي افتخرت بابنتها، لأنها سندهم الوحيد، وأنها تشعر بالحزن عندما تراها متعبة. هذا وتربط خولة علاقةٌ حميمة بسكان المخيم، تبتسم لهذا، وتواسي ذاك، تشارك جيرانها أحزانهم وأفراحهم، فهي تكبر عمرها بكثير.
فخولة ليست الفتاة الوحيدة، التي تعمل لتعيل عائلتها، فكل الأبناء بعمرها يعملون، هذا ما قالته خولة عندما سألناها عن طفولتها الضائعة بمشاق الحياة: “لا وقت للهو جميعنا مسؤول عن عائلته”.
وتابعنا الحديث معها نسترق الكلمات، والأجوبة منها، أثناء انشغالها بعملها، هل تحلم بالرجوع لجبل كزوان، مسقط رأسها؟، لتتغير الملامح المبتسمة لنظراتٍ متحدية: “نعم بالتأكيد” قالتها بكل إصرارٍ وقوة، ويقين أن القادم أجمل.
تعمل مع خولة فتاةٌ من عمرها، يعاركان نيران الفرن معاً بابتسامات الرضا، تهجرتا معاً من بلدتيهما.
“عائدون لا محالة”
تقول خولة: “تربطني بها علاقة أخوة وصداقة، ونواسي بعضنا بيوم الرجوع، فلا يمر يوم ولا نخبر بعض، أننا سنعود”. وعن ذكرياتها ببلدتها تقول: “رغم صعوبة الظروف ووجود الاحتلال، غير أننا كنا سعداء، نتقاسم الابتسامات والأمان حيث ملاعب صباي، فالحياة في المخيم حزن وأسى، وتعب واغتراب”.
تختلط نظرات الحزن مع قوة الإرادة، فالخيمة لا تقي برد الشتاء، ولا تخفف من حرّ الصيف.
تربط خولة برب عملها علاقةٌ طيبة، فهي أمينةٌ، وتعمل وكأن الفرن ملكٌ لها، إذ أن العديد من أهالي المدينة، باتوا يقصدون الفرن لمعاملتها الطيبة، ولطافتها، والابتسامة، التي لا تفارق وجهها.
عندما تحرق الحرب مراحل العمر، وتختصر الزمن، يتحوّل الأبناء لآباءٍ صغار، يقع على كاهلهم مسؤولياتٍ، وأعباء، كما لو كانوا قد قطعوا أشواطاً من الحياة، كل ذلك يحدث في ظلِّ العدوان التركي، الذي لا يميّز بين صغيرٍ وكبير.