حاوره/ غاندي إسكندر_
إن الحرب التي تدور رحاها في سوريا منذ عشر سنوات والنتائج المأسوية التي خلّفها الصراع الدموي، قد أفرزت نتائج كارثية على كافة الصُعد ومجالات الحياة فليس غريباً أن نشهد انهياراً اقتصادياً عاماً، هذا الانهيار الذي لا يدفع ضريبته سوى المواطن. وبهدف الاطلاع أكثر، كان لصحيفتنا “روناهي” حوار مع الخبير الاقتصادي المهندس الزراعي محمد رشيد سعيد.
الخبير الاقتصادي اطلعنا على المشهد الاقتصادي في سوريا عامةً وشمال وشرق سوريا بشكل خاص وبيّن “أنه لا توجد خطط تُبشر بانفراج الأزمة الاقتصادية السورية في المنظور القريب” موضحاً بقوله “إن أردنا خلق بنية اقتصادية متينة في مناطق شمال وشرق سوريا علينا وضع تشريعات اقتصادية مناسبة مشجعة على الاستثمار” هذا وقد جاء الحوار متضمناً المحاور التالية:
ـ ما المقصود بمصطلح الأزمة الاقتصادية؟
تعريف الأزمة الاقتصادية يختلف من بلد لآخر تبعاً لما يمر به البلد، فيمكن تعريفها على أنها حالة من الركود العام التي تُصيب بلد ما، وتسبب له تراجعاً مفاجئاً في استثماراته ونقصاً في الإنتاج والتسويق والخدمات، وكذلك تُعرف الأزمة الاقتصادية بأنها حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يظهر على شكل أزمات دورية عامة ناتجة عن فائض الإنتاج أو نقصه أو التداول أو التراكم أو مشاكل نقص الغذاء والطاقة والماء وهذا ما ينطبق على الوضع في سوريا بشكلٍ عام وشمال شرق سوريا بشكلٍ خاص.
ـ بناءً على التعريف السابق لمصطلح “الأزمة الاقتصادية” ما هي قراءتك للمشهد الاقتصادي في سوريا عامةً وشمال وشرق سوريا خاصةً؟
للإجابة على هذا السؤال يتوجب علينا النظر بعين المواطن العادي وعين المختص، حيث يمكن لأي شخص عادي أن يقرأ المشهد الاقتصادي السوري من خلال النظر إلى حالة المواطن السوري وما يعانيه من أزمات كثيرة وحقيقية على مستوى الغذاء والوقود والطاقة والمياه، وتأثير الأزمة السورية بشكلٍ سلبي وتراجعي على جميع أنماط الحياة في سوريا، مما يجعله يجزم بأن الواقع الاقتصادي في سوريا يمشي نحو الهاوية ولا توجد حلول أو خطط تبشر بانفراج الأزمة الاقتصادية وتُحسّن الواقع المعيشي.
أما النظر بعين المختص، فمن خلال مقارنة بسيطة بين الفترة الراهنة وقبل عدة سنوات فسيرى أن الوضع الاقتصادي في سوريا عامة وشمال وشرق سوريا في تراجع مستمر مع استمرار الأزمة السورية وانهيار الليرة السورية وزيادة الواردات على حساب الصادرات، ونقص القطع الأجنبي الذي أدى بدوره إلى تدهور المستوى المعيشي والخدمات؛ لأن التطور الاقتصادي يُقاس بزيادة دخل الفرد وارتفاع المستوى المعيشي وتطور الخدمات، والجميع يرى أن الخدمات شبه معدومة في سوريا عامة والمواطن يعاني من نقصٍ حاد في الخبز والمواد التموينية الأساسية والوقود والطاقة بشكلٍ عام، أما بالنسبة للمستقبل لا يمكننا التنبؤ بشكلٍ دقيق لأن المشهد الاقتصادي في سوريا مشهد ضبابي بسبب التجاذبات والصراعات الإقليمية والدولية على الساحة السورية، والهجرة والاستنزاف المستمر للعقول ورؤوس الأموال إلى خارج سوريا، وخروج النسبة العظمى من القطاعات الإنتاجية بشكلٍ نهائي عن الخدمة بسبب التدمير الناتج عن الحرب في السنوات الأخيرة، وعدم شعور المستثمر بالأمان والاستمرارية بالتطور على أرضية صلبة وآمنة، وهذا بالطبع ينطبق بشكلٍ كبير على المشهد الاقتصادي في شمال وشرق سوريا أيضاً.
ـ كيف يُمكن خلق بنية اقتصادية متينة في شمال وشرق سوريا؟
لخلق بنية اقتصادية متينة في شمال شرق سوريا يجب العمل على تهيئة الظروف المناسبة من خلال العمل بدايةً على وضع تشريعات اقتصادية مناسبة ومشجعة على الاستثمار، وتنمي الشعور بالارتياح والأمان وإمكانية الاستمرارية للمستثمر، ويتم ذلك من خلال تشكيل لجان مختصة تُصيغ القوانين الضابطة للنشاط الاقتصادي بمختلف مجالاته وتكون متلائمة مع واقع المنطقة، ويجب العمل بشكلٍ أساسي على توفير عامل الأمان بشكلٍ عام، فأي شخص يفكر في الاستثمار في أي مشروع صغير أم كبير سيضع في أولوياته واقع الوضع الأمني، فإن انعدم الأمن انعدم الاستقرار وبالتالي انعدم المحفز الأساسي للاستثمار.
وباعتبارنا منطقة زراعية فيجب التركيز على القطاع الزراعي بشقيه النباتي والحيواني وتقديم الدعم اللازم للنهوض بهذا القطاع من خلال توفير القروض للمزارعين وتأمين البذار والأسمدة ومستلزمات الزراعة والوقود وتوفير الأعلاف…. إلخ؛ لأن الغالبية العظمى من السكان يعملون بالزراعة، فإذا ما استطعنا تطوير الزراعة فسينعكس هذا التطور على الاقتصاد بشكلٍ عام لأن غالبية القطاعات مرتبطة بهذا القطاع، مما سيساهم في رفع مستوى المعيشة والخدمات ودخل الفرد، وسيشجع على إنشاء العديد من المصانع والمعامل المرتبطة بالإنتاج الزراعي مما يزيد من فرص العمل وتساعد في القضاء على البطالة وبالتالي رفع المستوى المعيشي للسكان، ويجب تطوير قطاع الطاقة لأنها تعتبر عصب الحياة في أي مجتمع.
وهناك أمر يجدر بنا الإشارة إليه عندما نتحدث عن خلق البنية الاقتصادية ألا وهو أهمية ضبط الأسواق وخاصةً أسواق العملات والمحاولة الجادة لضبط أسعارها وعدم التلاعب بها والقضاء على ظاهرة المضاربة…
وهذه المقترحات السابقة يمكن أن تكون أرضية يبنى عليها لتطوير الاقتصاد العام عن طريق الكفاءات والخبرات القادرة على إدارة الدفة بحكمة وواقعية.
ـ هل لدينا الإمكانات المطلوبة للاستغناء عن الاستيراد والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي؟
إذا ما نظرنا بنظرة واقعية ودقيقة إلى ما نملكه من مقومات وثروات، نعم; نستطيع القول “بأنه بإمكاننا الاستغناء عن الاستيراد وتحقيق الاكتفاء الذاتي، فنحن نملك مقومات تمكننا من تحقيق الأمن الغذائي والأمن المائي، ونملك خارطة محاصيل متنوعة وغنية، فلدينا سلة غذائية متنوعة وغنية بجميع المحاصيل الغذائية الأساسية من حبوب وخضروات وفواكه ومحاصيل زراعية تصلح كمادة خام للصناعات المختلفة الغذائية أو صناعات الألبسة وغيرها، وما علينا إلا أن نشجع الزراعة ونقدم الدعم اللازم للنهوض بالواقع الزراعي، وبالنسبة للمياه فشمال شرق سوريا غنية بالمياه سواء كمسطحات مائية أو كأنهار جارية عذبة وصالحة للشرب والاستعمالات المختلفة، وكذلك نمتلك شريان الحياة الصناعية والاقتصادية المتمثل بالنفط ومشتقاته اللازمة لإدارة عجلة الصناعة، ولدينا اليد العاملة اللازمة والكافية والخبيرة وما علينا سوى افتتاح مشاريع صناعية وزراعية لاستثمار هذه الطاقة البشرية والاستفادة منها في دفع عجلة التطور الاقتصادي في المنطقة والانتقال من حالة الاستيراد إلى حالة الإنتاج والتصدير.