سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مكانة المرأة في فكر الجاحظ

عبد الله رحيل_

الجاحظُ أديبٌ عربيٌّ متفرِّدٌ، له مؤلفاتُه الموسوعيّةُ الرائدةُ، وأسلوبُه الفنيُّ الذي صاغَ به خصائصَ النثرِ العربيِّ، واستمرَّ أثرُه البلاغيُّ والفكريُّ والأدبيُّ ممثلاً الثقافةَ العربيّةَ والحضارةَ الإسلاميّةَ، حتى عصرِنا هذا، واسمُه أبو عُثْمانَ عُمَرُو بنُ بَحرٍ بنِ مَحْبُوبٍ بنُ فَزارَةَ اللَّيْثِيّ الْكِنَانِيّ الْبَصَرِيّ المعروف بالْجَاحِظ (159 هـ-255 هـ) أديبٌ عربيٌّ كانَ من كبارِ أئمّةِ الأدبِ في العصرِ العباسيِّ، وُلدً في البصرةِ وتُوفِّيَ فيها، واللقبُ الذي التصقَ به أكثرَ، وبه طارتْ شهرتُه في الآفاقِ هو الجاحظُ، عمّرَ الجاحظُ نحو تسعين عامًا، وتركَ كتبًا كثيرةً يَصْعُبُ عدَّها، وإنْ كانَ البيانُ والتبيينُ، وكتابُ الحيوانِ، والبخلاءُ، أشهرَ هذهِ الكتبِ، فكتبَ في علمِ الكلامِ، والأدبِ، والسياسيةِ، والتاريخِ، والأخلاقِ، والنباتِ، والحيوانِ، والصناعةِ، وغيرِها.
وللجاحظِ رسائلُ رائعةٌ، طافَ بها في أفلاكٍ متنوّعةٍ من المعارفِ والفلسفاتِ والآدابِ والفنونِ مجسدةً الحياةَ الإنسانيّةَ، ووقائعَها الاجتماعيةَ في عصرِهِ. وقد عَرَكَ الجاحظُ الحياةَ، وصوَّر تجارِبَه الذاتيةَ في أدبِهِ، وقدَّمَ مؤلفاتِهِ الأدبيةَ والعلميّةَ بفلسفةٍ عميقةٍ، وفكْرٍ مُستنيرٍ.
ومن رسائلِهِ البديعةِ رسالةٌ في “النساء” تُعَدُّ وثيقةً فريدةً في مكانةِ المرأةِ عَامَّةً، وتستحقّ أنْ تكونَ دستورًا حضاريًا ممثلاً لدورِها المهمِّ في بناءِ المجتمعِ الإنسانيِّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
وقد ربط “الجاحظ” بين النساءِ وبينَ الحبِّ والعشقِ والهوى، مؤكدًا أنَّ للنساءَ الوجودَ المتعمّقَ في الحياةِ وبهجتِها. فالحبُّ أصلُ الهوى، ويتفرَّع منه العشقُ الذي يهيمُ بهِ الإنسانُ.
ويتميّزُ “الجاحظ”، فيلسوفًا، بالعقلانيةِ، ومفكرًا، بالثقافةِ الواسعةِ، وأديبًا بالأسلوبِ البلاغيِّ المتميّزِ. يذكرُ “الجاحظ” ما يتشعّبُ عن أصلِ الحبِّ من الرّقةِ والرّحمةِ، وأنّهُ جماعُ الخيرِ؛ وكأنّهُ يدخلُ هذا المدخلَ اللطيفَ في موضوعِهِ عن النساءِ من منطلقٍ نفسيٍّ أصيلٍ، فيربطُ الحبَّ والخيرَ بالمرأةِ.
ويؤكّد “الجاحظ” رؤيتَه للحبِّ من أنَّه نعيمُ الدنيا، بل “أكبرُ نعيمِها، وأكملُ لذَّاتِها”، متمثِّلاً في ظَفَر المحبِّ بحبيبتِهِ، وما يكونُ من سرورِّ العاشقِ وسعادتِهِ وبهجتِهِ، وقد رسّخَ العشقُ بقلبِهِ، وفازَ بلذّتِهِ. وربَّما جادَ الفضلاءُ بالمالِ، ولكنَّهم يستأثرون بالحبيبةِ، ويهدونها أجملَ الأشياءِ، ويتوخُّون رعايتَها. ويختصُّ العشقُ بالنساءِ، وقد يصلُ الوجدُ بعشقهنَّ إلى ما يودي بحياةِ العاشقِ. وقد قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ}، يقول الجاحظ”: “فقد ذكرَ تبارَكَ وتعالى جملةَ أصنافٍ ما خوَّلهم من كرامتِه، ومَنَّ عليهم من نعمتِه، ولم نرَ الناسَ وجدوا بشيءٍ منْ هذهِ الأصنافِ وجدَهم بالنساءِ، ولقدْ قدّمَ ذكرَهُنَّ في هذه الآية على قدرِ تقدمهِنّ في قلوبهم”.
ويرى “الجاحظ” أنَّ النساءَ بالغناءِ أخصُّ من الرجالِ، إذْ “الرجالُ دخلٌ على النساءِ في الغناءِ”. والجاحظُ بارعٌ في المناظرةِ، وقد دعاه إليها “هنا” رأيٌّ، ذهبَ إلى أنَّ الرجلَ يخرجُ عن وقارِهِ؛ بما يجدُ من لذَّةِ الطربِ”، فأخذَ الجاحظُ –كدأبه– يفنِّدُ المقارنةَ بينَ لذَّةِ الحبِّ ولذةِ الغناءِ، وأيَّهما يسيطرُ على قلبِ الرّجلِ، ليثبتّ رأيّهُ في سطوةِ العشقِ على العاشقِ، وغلبَةِ الحبِّ على غيرِهِ من مُتَعِ الدُّنيا.
ثمّ يقولُ: “فأيّهما أحسنُ وأملحُ، وأشهى وأغنجُ، أنْ يغنِّيك فحلٌ ملتفُ اللِّحيةِ… أمْ تُغنِّيكَ جاريةُ كأنَّها طاقةُ نرجسٍ، أو كأنَّها ياسمينة” وهنا يرتبطُ الجمالُ والغناءُ بالمرأةِ، التي ينتصرُ لها “الجاحظ” ويخصُّها بغناءِ شعرِ الغزلِ، ويجعلُهُ من حقوقِها، فيقولُ: “وإنَّما ينبغي أنْ تغنِّي بأشعارِ الغزلِ… والعشقُ والصبابةُ بالنساءِ اللواتي فيهنَّ نطقتْ تلكَ الأشعارُ”.
وللحبِّ لغتُه الخاصّةُ التي تجري بين المحبِّين، وتُكتسبُ بلاغتُها على قدرٍ تُمكِّنِ الغزلُ منهم. ويُعدِّدُ الجاحظُ الأمورَ التي تجعلُ المرأةَ أرفعَ حالاَ من الرجلِ، منها: “أنَّها التي تُخطَبُ وتُرادُ”، بلِ الحبُّ سلطانٌ للمرأةِ على الرجلِ، فالهوى “يعمي ويصُم” كما ورد في المثل السائر. ويمضي “الجاحظ” في ذكرِ تعظيمِ الرجلِ لشأنِ النّساءِ، فالمرأةُ أمُّ الولدِ “وليس شيءٌ مما يُحدِثُ اللهُ لعبادهِ من أصنافِ نعمتِهِ، وضروبِ فوائدِهِ، أبقى ذكرًا، ولا أجلَّ خطرًا من أنْ يكونَ للرجلِ ابنٌ يخلفهُ من بعدِهِ”.
وقد صوَّر أهميةَ الأواصرِ القويةِ بينَ الأقرباءِ، وأنّه لا يريدُ أنْ يقولَ: إنَّ النساءَ أفضلُ من الرجالِ، ولكنَّه أرادَ أنْ يُعلِّمَ منِ احتقرَ المرأةَ حقيقةَ أهميَّتِها، وأنْ يذكرَ حقوقَها لمَنْ بخسَها، ويؤكِّد ذلك بقوله: “وإنَّ منَ العجزِ أنْ يكونَ الرجلُ، لا يستطيعُ توفيرَ حقوقِ الآباءِ والأعمامِ إلاّ بأنْ ينكرَ حقوقَ الأمهاتِ والأخوالِ، فلذلكَ ذكرنا جملةَ ما للنساءِ منْ المحاسنِ”.
فرسالةُ “النساء” كما قدّمَها “الجاحظُ” لا تبحثُ في الفرقِ بينَ الرجلِ والمرأةِ، بل تعمدُ إلى ذكرِ التكاملِ بينهما، وحاجةِ كليهما إلى الآخرِ دونَ تحيًّزٍ لأحدِهما دونَ الآخرِ.
ويُحذِّرُ “الجاحظ” العاشقَ من تقلباتِ الحبِّ، داعياً إلى الصبرِ على سُلوِ الحبيبةِ، والتريُّثِ حالَ غضبِها؛ لأنَّه إذا تركها فسيندمُ على ذلك، “فليحذرِ الحازمُ الفترةَ في حبِّ حبيبٍ، والغضبةَ التي تنسيهِ عواقبَ أمرِهِ”.
ويؤكِّد “الجاحظ” حقوقَ المرأةِ بقوله: “ونحنُ وإنْ رأينا أنَّ فضلَ الرّجلِ على المرأةِ، في جملةِ القولِ في الرجالِ والنساءِ، أكثرُ وأظهرُ، فليسّ ينبغي لنا أنْ نقصِّرَ في حقوقِ المرأةِ، وليسَ ينبغي لمَنْ عظَّمَ حقوقَ الآباءِ أن يصغِّرَ حقوقَ الأمَّهاتِ، وكذلك الإخوةُ والأخواتُ، والبنون والبناتُ. وأنا وإن كنتُ أرى أنَّ حقَّ هذا أعظمُ؛ فإنَّ هذهِ أرحمُ”.
وتلك رؤيةٌ منصفةٌ ثاقبةٌ رحيمةٌ إنسانيّةٌ، تقيمُ ميزانَ العدلِ والإحسانِ في الحقوقِ الواجبةِ للرّجلِ والمرأةِ.
ويطرحُ “الجاحظ” قضيةً طريفةً هي أنَ الرجالَ أبصرُ من النساءِ للنساءِ، فالمرأةُ “تعرفُ من المرأةِ ظاهرَ الصفةِ، وأمَّا الخصائصُ التي تقعُ بموافقةِ الرجالِ؛ فإنَّها لا تعرفُ ذلكَ”.
ويوردُ الجاحظُ دليلاً آخرَ على مكانةِ المرأةِ العليا حيثُ يقولُ: “إنّ اللهَ قدْ خلقَ ولداً منَ المرأةِ منْ غيرِ ذكرٍ، ولم يخلقْ من الرجلِ ذكراً من غير أنثى، ويسوقُ أدلةً عقليةً على مكانةِ المرأةِ المعشوقةِ، وهذه الأدلةُ هي: أنّها هي التي تُخْطَبُ وتُرادُ وتُعشقُ، وهي التي تُفدى وتُخفى، ويقدم الجاحظُ دليلاً آخرَ حيث يقولُ:” لم نرَ الرجالَ يهبُون للرجالِ، إلاَّ ما لا بالَ له، في جنبِ ما يهبُونَ للنساءِ، حتى كان العطرُ والصبغُ والخضابُ والكحلُ… لهنَّ).
ومهما يكن من أمر، ومن فكر شعب بالٍ، تبقى المرأة سامية بروحها فوق تلك النظرات، وناشرة الحب والحنان في مناحي الحياة كلها، وتظل قابضة دفة قيادة الفكر الحر المنطلق نحو الحياة، كنحلة رياض محولة الرحيق إلى عسل مصفّىً لتحلو الحياة به، ومغيّرةٍ مرارة النظرات والفكر، ولتكون الخصب والنماء، والحب والعطاء، في قول أبي صخر الهذليّ:
تكادُ يدي تَندَى إذا ما لمسْتُها
ويَنبُتُ في أطرافِها الورقُ النَّضْرُ
ومن جميلِ المعاني، ودقةِ الوصفِ والتسامي، يظهرُ جليًا لقارئِ الكلماتِ والحقيقةِ، حقيقةٍ تقبعُ في عقلِ وفكرِ وقلبِ الإنسانِ، الراميةِ إلى أخذِ هذا الملاكِ إلى دائرةِ التمركزِ حولَ أهميةِ المرأة، لتكونَ البريقَ المشعَّ للورى نورًا ودعةً، هذه الحقيقةُ صوّرَها الشاعرُ إيليا أبو ماضي متعمِّقا بكينونتِها:
أقامت لدى مرآتها تتأمّلُ
 على غفلة مّمن يلوم ويعدلُ
 وبين يديها كلّما ينبغي لمن
 يصوّر أشباح الورى ويمثّلُ
 وتضمر حقدا للمحدّثِ لو درى
به ذلك المسكينُ ما كادَ يهزلُ
 فلو وُجدت يوما على الدّهر غادةٌ
 لأوشكَ من غلوائه يتحوّلُ
 فتاةٌ هي الطاووسُ عجبا وذيلُها
 ولم يك ذيلا، شعرُها المتهدّلُ
 سعتْ لاحتكار الحسن فيها بأسره
 وكم حاولت حسناءُ ما لا يؤمّلُ
 إذا كان حسن الوجه يدعى فضيلةً
 فإنّ جمال النّفس أسمى وأفضلُ
تكتّم عمّن يعقل الأمر سرّها
ولكنّها تفشيه ما ليس يعقلُ.