سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أفكارنا الغنوصيّة السائلة

صلاح الدين مسلم_

ما الخير؟ وما الشرّ؟ فالخير والشّرّ مختلفان، الآن ما بين الماضويين والليبراليين، ما بين الذي ينكر كلّ الشرق، ومن ينكر كلّ الغرب، فالتسلّل الحداثوي في تفاصيل حياتنا اليوميّة، قد أثّر على حياتنا ومجتمعاتنا، فصارت الهجرة، واستطاع العدوّ أن يبثّ الحرب الخاصّة بكلّ سهولة في حياتنا، فقد رأى جورج أوريل “أنّ الأشكال الجديدة للشّرّ، ترتدي عباءة الخير والحبّ، وهذا ما جعل الحداثة سائلة، تنساب تتلوّى وتغيّر من ملامحها، لتغدوَ النبراس لهذا القرن المتلوّي”.
من يردْ أن يفهم ثنائية الدولة والمجتمع، فلا بدّ أن يفهم ثنائية الخير والشّرّ، وإذا كان المجتمع المتملّص من الدولة أو (مجتمع ما قبل الدولة) هو الخير، فلا بدّ أنّ تكون الدولة هي الشّرّ، فالغنوصيّة[1] أو العرفانيّة قد ألهمت {زيجمونت باومان} صاحب كتاب {الشّرّ السائل} أن يرى في هذه الرؤية الثنائية: “أنّها تثقل كاهل البشرية بحتميّة الاختيار”.
فإذا كنّا نمتلك حتمية الاختيار ما بين الرأسمالية والاشتراكية، أو الليبرالية والتشاركية، أو الشّرقية والغربيّة، أو الشيعة والسنة أو الكرديّة والعربيّة…. فإنّها الغنوصية التي تقودنا إلى الحروب وإلى الاقتتال، والشّرّ الدائم، أمّا إذا كانت تقودنا لنتخلّص من ربقة النظام العالمي الجديد؛ فلا بدّ أن نلجأ إلى الخير المضادّ للشّرّ، فإمّا أن يكون فكرنا دولتيّاً، أو يكون فكرنا مجتمعيّاً.
فهل الشّرّ طبيعة أو هو طارئ؟ فالدين المسيحي يرى: الشّرّ معصية، بينما يرى المانويون: الخير والشّرّ واقعين متوازيين ومتصارعين على الدوام.
فهل نظرتنا للسياسة هي نظرة غنوصية؟ فهل نعدّ روسيا هي الشّرّ، وأميركا هي الخير، وتركيا هي الشّرّ، والتيار الفلاني هو الخير…؟؟؟ لا بدّ أنّنا نمتلك شيئاً من الغنوصيّة الفكريّة، في تحليلاتنا السياسيّة اليوميّة، فطبيعتنا المجتمعيّة، وتاريخنا الاجتماعيّ، يقوداننا إلى الاصطفائيّة الأخلاقيّة، ما بين القيمة والأخلاق، لكنّنا نقع في فخّ الحكم عندما نحكم حكماً أخلاقيّاً على قيمة غير أخلاقيّة، فلا يمكن أن تكون الدول خيّرة على الإطلاق، أو بالأحرى لا تعرف السياسات الدوليّة مفهوم الأخلاق، فالدول تعتمد على المنفعة فحسب، ومن هنا لا تكون الاستجابة الأخلاقيّة موجودة.
إنّه السؤال الذي يطرحه ليونيداس دونسكيس :”ليس هناك من تفاؤل بالاعتقاد، بأنّ الشرّ أمر عابر لا يهزم الرأفة الإنسانيّة، أو أنّه يهزمنا مؤقّتاً عندما يهزمها. كما أنّ التفاؤل يعني اعتقاداً بأنّ الآمال والبدائل موجودة على الدوام. فالاعتقاد: أنّ المتشائم هو كائن أكثر إبداعاً ونبلاً وسموّاً من المتفائل، ليس مجرّد أثر من آثار رؤية العالم والحساسيّة الحديثة الرومانتيكية، بل هو أكثر من ذلك بكثير.”[2]
في عودتنا إلى ماضينا، وتراثنا، وإرثنا الفكريّ، نجد أن الخلاص من الشرّ العائم، الذي يفكّر في الإبادة، والصهر، والتهجير، والتكذيب، والتضليل، والخداع، والمناورة، ونهب التاريخ وتشويهه، يحوّل الشرّ إلى خير سائل.
اهتمّ الغنوصيون بفكرة الشّرّ، ولم يقتنعوا بأنّ الله هو خالق الشّرّ، أو أنّها إرادة الله، وبالتالي هناك إله للشر وإله للخير.
الشر السائل – زيغموند باومان وليونيداس دونسكيس
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.