أنيسة فخرو (كاتبة وأديبة)_
نكتشف الفرق العملي بيننا كشعب عربي، وبين بقية الشعوب المتحضرة، حين نزور الدول الأجنبية وبالأخص الأوروبية، ونرى الصغير والكبير، يحمل كتابه أو هاتفه وينكب على القراءة، في المقهى، وفي وسائل النقل المختلفة، وفي كل مكان، والإحصائيات تقول: إن العرب من أقل الشعوب إقبالا على القراءة، والنسبة للأسف 0.02% بما في ذلك قراءة القرآن الكريم! فما السبب يا ترى؟
القراءة تنقسم إلى شقين: الكتاب والقارئ، الشق الأول وله علاقة بالمحتوى، واللغة المستخدمة، وأسلوب الكاتب، والإخراج، والتسويق، وثمن الكتاب، والقوانين الخاصة والعامة، كحقوق الملكية وحرية التعبير.
والشق الثاني يشمل: المستوى الثقافي للقارئ ودافعيته، ومستوى أسرته الثقافي والاجتماعي ومدى تشجيعهم، والمؤسسة التعليميّة بمناهجها وأساليبها، والبيئة المجتمعية، والاستقرار النفسي والأمني للقارئ، ومدى وجود المحفّزات الخارجية للقراءة، وقيمة الوقت الذي يقضيه في القراءة.
ويهم القارئ بالطبع موضوع الكتاب، ولغته التي يجب أن تكون واضحة وممتعة، وثمنه الذي لا بدّ وأن يكون مناسبا، وقناعته أن القراءة تعود عليه بالنفع والفائدة، أي تصبح حاجة وليس ترفا. وبالطبع يأتي دور البيت والأسرة أولا، ثم المنظومة التربوية التعليمية، ثم المجتمع ومؤسساته بشكل عام.
يبدو أن المتهم الأول في مسألة عدم الإقبال على القراءة، هو التعليم المنظور الذي له علاقة بالمنهج، وطرائق التدريس، التي تعتمد على الحفظ والتلقين والاسترجاع، والبيئة التعليمية، التي لا تشجع على التفكير والإبداع، والتعليم غير المنظور، الذي يسمح للمدرس أن يوصل للطلبة سلوكه واعتقاداته وأفكاره وميوله.
كما أنَّ للعقلية السائدة في المجتمع دورًا في تعزيز المفاهيم السلبية، مثل أن كثرة القراءة تؤدي إلى العمى أو الجنون، وتعزيز الاعتماد على السمع والنقل، بدلا من البرهان والدليل؛ فمن السهل أن يتهم بعض من يستخدم الدين لأغراض سياسية خاصة، مفكرين وأدباء أمثال (فرج فودة) و (نجيب محفوظ) و (نوال السعداوي)، و(شحرور) وغيرهم، لتسند لهم من قبل معارضيهم، تهم الكفر والزندقة، فيتلقى مُرِيدوهم ومتابعوهم التهمة على أنها حقيقة، ويُنفذ الأمر أو الفتوى بالقتل دون الرجوع لقراءة ما كتبوا.
كما ترتبط القراءة بالاختلاف عن السائد، ومعارضة النظام والمجتمع؛ فمعظم المثقفين يقبعون في السجون، وبالتالي يتكون لدى الأغلبية ارتباط شرطي بين القراءة وما يؤدي إلى التهلكة.
كما أنَّ التربية الاجتماعية تشجع على قراءة واحدة محصورة، ومحددة في النص القرآني والسنة النبوية؛ لذلك تزداد أعداد من يتخصص في مجال الشريعة يوما بعد يوم، في حين تقل أو تندر التخصصات العلمية والفلسفية، وأغلب المؤسسات الدينية متبناة من قبل السلطة؛ فنجدها تحرص على تعزيز تلك القيم من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، بتشجيع التلقين وسماع الخطب، التي تلغي العقل وتتسم بالإذعان والتكرار، للوصول إلى مراكز التحكم بتعليم استرجاعي بسيط يدر الكثير من المال والسلطة.
وعلى الرغم من تشجيع قراءة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، إلا إن مجمل من يقرأهما قليل، ونسبة من يقرأ القرآن (ولو أنَّها قليلة) أكثر ممن يقرأ السنة النبوية، وكم نتمنى أن يحرص كل فرد على قراءة القرآن يوميا، لكن أيضا مع قراءة الكتب الأخرى.
ونأتي إلى واقع المكتبات العامة والحكومية في أغلب الدول العربية، لتجدها خاوية على عروشها، إلاّ من قلة نادرة تقصدها، إما طلاب المدارس والجامعات، الذين يتم تكليفهم بعمل البحوث، أو بعض الأساتذة والمعلمين، بهدف عمل بحث من أجل الترقية، وما إن تنتهِ المهمة حتى نجد الزائر يختفي بعدها، إلا فيما ندر.
إن زيارة المكتبات العامة بشكل منتظم من مختلف الأعمار، تتطلب تشجيعاً من الجهات الرسمية على ذلك من خلال وزارات التربية والتعليم والمناهج والإعلام، والإبداع في الأساليب التشجيعية الجاذبة للجمهور من مختلف الفئات العمرية.
أما فيما يتعلق بالمكتبات في المدارس، فعلى الأغلب متوافرة، وتسمى أحيانا (مصادر التعلم)، لكن وجودها للمظهر والتمظهر، فلا تُستخدم بشكل فعال، بل وحتى أجهزة الحواسيب – إن وجدت – يكون أغلبها معطَّلا، وفقط للمظهر والتمظهر.
وإن أردنا التغيير الحقيقي، فعلينا تحديد نوع الإنسان الذي نريد أولا، ونوع سلوكه وأفعاله التي نريدها، والتي لا بدّ وأن تتناسب مع احتياجات مجتمعاتنا، ولا يتأتى ذلك إلا بتغيير المنظومة التربوية والتعليمية قبل كل شيءٍ، كما فعلت الدول المتقدمة والنامية. فهل نجرؤ؟