No Result
View All Result
قامشلو/ دعاء يوسف –
مع الظروف الصعبة والحرب القائمة أصبح الكثير من الشباب يعانون من اضطرابات نفسية ويعيشون جحيماً لا نملك أدنى فكرة عنه، وقد يصل بهم الأمر للانتحار، فما هي هذه الأمراض؟ وما دور المجتمع والجهات المعنية بمساعدتهم لتجاوزها؟
إنّ المرض النفسي كالسرطان إذا جاز التعبير، يفتكُ بالعقل والجسد سوياً، فيقضي على فريسته ببطء، والطبيب النفسي ليس “دكتور المجانين المحتال”، بل هو طبيب نال إجازته ليزاول مهنته الطبية تماماً مثل طبيب الأورام السرطانية، يخوض المريض النفسي حروباً قاسية باردة منها مع نفسه ضدّ أفكاره وعقله في رأسه، ومنها مع مجتمعه الّذي يرفض الاعتراف بمعاناته بل ويسخّفها ويستهزئ بها، فيضطرُّ إلى إخفائها والمعاناة بصمت.
“لستُ بمجنون”
ولتسليط الضوء على هذه الأمراض كان لنا لقاء مع عدة شباب وشابات من مدينة قامشلو ممن عانوا من بعض الأمراض النفسية وكان منهم “آلاء العبد الله” فتاة بعمر الثالث والعشرين والتي حدثتنا عن فترة الاكتئاب التي مرت بها: “لقد فشلت في حياتي وشعرت بأنه ليس لوجودي على قيد الحياة داعي، فهذه الحياة لا تستحق العيش، نجحت بالبكلوريا ولكنني لم أُكمل دراستي بما أرغب به كقسم ورسبت بالسنة الأولى لأبقى فيها ثلاث سنين فتركت الدراسة وبتوجيه بعض الألفاظ مثل ـ أنتِ فاشلة بكل شيءـ زادت حالتي سوءاً ودخلت مرحلة اكتئاب، فقدت الشهية وعزلت نفسي مع عالمي الأسود ولم أكن أرغب بالحياة، فكنت أفكر بأن موتي وحياتي ليست مهمة عند أحد”.
آلاء بعد انخراطها بالعمل أزالت تلك الغيمة السوداء التي كانت تعيشها في مرحلة الاكتئاب “بعد إيجاد فرصة عمل خرجت من الشرنقة التي نسجتها لنفسي وانطلقت للحياة”.
ما عاشته آلاء هو تجربة يجب الاستفادة منه، فوجهة نظرتها كمريضة تفيد المصاب ومن حوله أيضاً لخصت ذلك بالعبارات التالية: “أن المصاب بالأمراض النفسية يخاف إخبار أحد عن مرضه خوفاً من نعته بالمجنون فلا يدرك الأهل حالة طفلهم حتى يصبح بمراحل حرجة”.
“حالي أصبح أفضل بوجود والدتي”
وربما حال نور البسام كانت الأسوأ بتجربتها؛ فتاة بعمر الثامنة والعشرين مات شقيقها ووالدها في انفجار فدخلت مرحلة اضطراب ما بعد الصدمة وحاولت الانتحار عدة مرات وعن حالتها ومعاناتها في تلك الفترة أفادتنا: “ما سبب وجودي هنا وكل من أحب مات لماذا لم تسمح لي الحياة بالبقاء معهم، ولماذا لا يسمح لي العالم بالذهاب إليهم، كنت أفكر بهذه الطريقة حتى أني أقلعت عن الطعام والشراب”.
والدة نور دعمتها ووقفت إلى جانبها لتخرج من حالتها وتصبح بحال أفضل كما وصفته: “بوجود والدتي معي وبعد مرور ثلاث سنوات من العلاج تحسنت حالتي.. لم أُشفَ تماماً ولكني أصبحت أفضل”.
عمر حبو طالب في الصف الثامن يتعرض للتنمر من قبل رفاقه بالمدرسة الأمر الذي أدخله في الاكتئاب والقلق وبات يرفض الذهاب إلى المدرسة على حد قوله: “دائماً الطلاب في الصف ينادوني بالقبيح، وكلما رأوني يقومون بالسخرية مني بسبب عيني لأنهما بعيدتان عن بعضهما قليلاً، كنت أحب شكلي لكن الآن أنا قبيح ولن أذهب للمدرسة لكيلا أسمع منهم كلاماً جارحاً”.
تعددت الأسباب والنتيجة هي ذاتها في الحالات الثلاث، وربما هناك الكثير من الشباب والشابات ممن يعانون من هذه الأمراض إلا أن الكتمان هو الحل بالنسبة لهم في أغلب الأحيان، فتبقى النصيحة أو النظرة الصحيحة لهذا المشهد “المكتئب ليس بكسول أو انطوائي والذي أنهى حياته لم يقرر فجأة الذهاب بعيداً فهو ليس بأناني، ونوبات الهلع عبارة عن دقات قبل سريعة، والمصاب بالفصام ليس بشخص مجنون، لذا يجب تصحيح الفكر والعقلية بدايةً لنصل بمرضانا إلى بر الأمان”.
وجهة توضح الأسباب والعوامل
بسبب انتشار الأمراض النفسية بين الفئة الشابة وضعف ثقافة الإرشاد النفسي افتتحت الإدارة الذاتية في مناطقها مراكز تهتم بهذا الشأن كمراكز الشهيدة أمارا بفروعه الخمسة (الحسكة ـ قامشلو ـ تل تمرـ وجل آغا ـ سري كانيه؛ قبل احتلالها من قبل المحتل التركي)، بسبب انتشار هذه الأمراض وضعف ثقافة الإرشاد النفسي.
المرشدة النفسية بمركز الشهيدة أمارا “خلات إسماعيل” فرع قامشلو حدثتنا عن الأمراض الأكثر انتشاراً: “افتتحنا المركز عام 2015 وبسبب الوضع الذي تمر به المنطقة فقد عانى المواطنون عامةً والشباب خاصةً من الأمراض النفسية وكان أكثرها انتشار (الاكتئاب ـ اضطراب ما بعد الصدمة ـ اضطراب القلق ـ حالات الوسواس القهري)”.
وأطلعتنا خلات على أسباب الإصابة بهذه الأمراض بقولها: “الوضع الذي نعيش فيه وما ينتج عنه من قلق وخوف يساهم في الإصابة بهكذا أمراض ناهيك عن المرحلة التي يعيشها المراهق والضغوطات التي يتلقاها سواءً من الأهل أو مكان العمل أو حتى المدرسة نفسها، وعندما تكون بنيته النفسية ضعيفة يتأثر أكثر”.
وبينت خلات الآثار التي تظهر على المصاب بالأمراض النفسية بقولها: “يصبح انطوائياً مائلاً للعزلة ـ فاقداً للشهية ـ يعاني اضطرابات بالنوم ـ مهموماً حزيناً كثير الشرود ـ تفكيره بالمستقبل معدوم، والكثير من الحالات تصل للانتحار بسبب قلة الاهتمام من الأهل والمجتمع ربما نكون جميعاً مررنا بهذه الأعراض ولكن هناك حالات يلزمها معاملة خاصة لا يستطيع المصاب أو المصابة المقاومة وحده/ـها”.
للأسرة الدور الأهم
وأشارت خلات إلى وجود الكثير من العلامات التي تنذر بالانتحار ولكن لا نُلقي لها الاهتمام، حيث يلمح الشخص للانتحار دون أن يأبه لذلك المحيط به وعلقت خلات على هذا الأمر “لو تلقى القليل من الاهتمام وقتها لما أقدم على الانتحار”، وأكدت خلات على دور الأسرة في العلاج كونهم الصديق الأول لأبنائهم ولا سيما في فترة المراهقة فلربما تحل هذه الأمراض قبل تفاقم حالته”.
وأوضحت خلات أن المراكز لا تستخدم الأدوية يؤدون دورهم بجلسات للدعم للنفسي فقط ولكن عندما تكون الحالة صعبة يتم تحويلها إلى طبيب لوصف الدواء اللازم له مع إكمال جلسات الدعم النفسي.
أهمية وجود مرشد نفسي في المدارس
يصاب الشباب في بعض الأحيان بالأمراض النفسية في المنزل أو المدرسة بسبب التنمر أو العنف الممارس ضدهم فيحتاج لصديق أو شخص ما يفهمه وينصحه بطريقة صحيحة للتغلب على الأمر.
وربما وجود المرشد النفسي في المدرسة النقطة الأهم للتخلص من هكذا أمراض لدى الطلبة وحول هذه الفكرة كان لصحيفتنا لقاء مع الرئيس المشترك لإدارة المدارس في قامشلو “ريزان حمو” موضحاً عدم وجود مرشدين نفسيين بقوله: “في الحقيقة لا يوجد مرشد نفسي في المدارس، ولكن طريقة التدريب التي خضع لها المعلمون خلال السبع سنوات في العطل الصيفية من إعطاء دروس وطرق التعامل مع الطلاب هذا الأمر جعل منهم بمثابة مرشدين، فلسنا بحاجة لمرشدين نفسيين للتعامل مع طلابنا، فكل معلم قادر على التعامل مع جميع المشاكل التي قد يتعرض لها طلاب صفه بكافة مراحله الابتدائية والثانوية”.
وأكد ريزان حمو على أن المدارس لا تخلو من التنمر والعنف الذي يؤثر على الطلاب بشكلٍ عكسي ولكن يوجد طرق للتعامل مع هذه الحالات وأضاف: “يتخذ المعلم طرق عديدة كاحتواء الطالب فيبدأ حل المشكلة بزيارة الأهالي وشرح المشكلة من قبلهم أو من قبل المعلمين، والجلوس مع الطلاب للحديث عن مشكلته، فالتعليم ليس مقتصر على الكتب المدرسية فقط فنحن نبني جيل قادر على مواجهة الصعاب التي قد يمر بها”.
No Result
View All Result