سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أجهزةِ العُنفِ الماديِّ للسُلطةِ والدولةِ القوميّةِ

عبد الله آوجلان –

تؤدّي المرأة دوراً إستراتيجيّاً بالنسبة للنظامِ القائمِ في الإكثارِ من الاستغلالِ والسلطة. فالرجلُ كممثّلِ الدولةِ ضمن الأسرة، يَعتَبِرُ نفسَه صاحبَ الصلاحيّاتِ والمسؤولَ عن ممارسةِ الاستغلال والسلطةِ معاً على المرأة. حيث تَحَوّلُ كلَّ رجلٍ إلى جزءٍ من السلطةِ من خلالِ تعميمِ القمعِ التقليديِّ على المرأة، فتَظهَرُ على المجتمعِ بهذه الطريقةِ أعراضُ مَرَضِ التحوُّلِ إلى سلطةٍ قصوى. فوضعُ المرأةِ يَمُدُّ مجتمعَ الهيمنةِ الرجوليّةِ بمشاعرِ وأفكارِ السلطةِ اللامحدودة. من جانبٍ آخر، فثَمَنُ جميعِ السلبيّاتِ تَدفَعُه المرأةُ الكادحة، بل المرأةُ نفسُها؛ بدءاً من تَكَوُّنِ العامِل المتنازِل إلى البطالة، ومن ظاهرةِ العُمّاليّةِ المجانيّة إلى العملِ بأبخسِ أَجر. أيديولوجيّةُ الليبراليّةِ الجنسويّةُ التوفيقيّةُ لا تَكتفي بتحريفِ هذا الوضعِ وإظهارِه مُغايِراً عما هو عليه، بل وتُحَوِّلُه إلى بدائل أيديولوجيّةٍ مُصاغةٍ للنساءِ بِحرص. إنّها أَشبَهُ بِفَرضِ تَقَبُّلِ عبوديّتِها بِيَدِها. بالإمكان القول إنّه باستغلالِ النظامِ للمرأةِ أيديولوجيّاً وماديّاً لا يتغلّبُ فقط على أَشَدِّ أزماتِه وطأة، بل ويُرَسِّخُ وجودَه ويَضمَنُه أيضاً. المرأةُ بمثابةِ أقدمِ وأحدثِ أمّةٍ مستعمَرةٍ في تاريخِ المدنيّةِ عموماً، وفي ظلِّ الحداثةِ الرأسماليّةِ على وجهِ الخصوص. وإنْ كان هناك وضعٌ متأزِّمٌ من كلِّ النواحي، ويستحيلُ الاستمرارُ به، فإنّ حِصّةَ استعمارِ المرأةِ تتصدّرُ أسبابَ ذلك.
يعاني النظامُ الرأسماليُّ العالميُّ في ظلِّ هيمنةِ الاحتكارات الماليّة العالميّة من الأزماتِ المشتَرَكةِ الخاصّةِ بالتمويل، بقدرِ معاناته من أزمةِ نظامِه العامّة. أي أنّ أزماتِ النظامِ العامّةَ (تنبع من تضادِّها مع الاقتصاد) والأزماتِ الخاصّةَ بالتمويلِ والمالِ (المال الذي يتمّ تمثيله بمختلفِ الأدواتِ الوَرَقِيَّةِ الافتراضيّةِ المنقطعةِ عن الإنتاجِ والذهب، بل وحتّى عن الدولار) تسيران بشكلٍ متداخلٍ وفي مرحلةِ الحضيضِ من تاريخها. كان النظامُ قد تَخَطَّى أزماته أساساً بطريقَين حتّى الآن. أَوَّلُهما؛ عبر أجهزةِ العنفِ الماديِّ للسلطة والدولة القوميّة المتكاثرةِ باستمرار. وهي تَشمَلُ شتّى أنواعِ الحروب والسجونِ ومشافي المجانين والمستشفيات والتعذيب والغيتوهات وأخطر أشكالِ الإبادات العرقيّةِ والإباداتِ المجتمعيّة. ثانيهما؛ عبر التمفصلِ والإرفاقِ المتواصل مع أجهزةِ الهيمنةِ الأيديولوجيّةِ الليبراليّةِ المُتطَوِّرة. فعلى الصعيدِ الأيديولوجيّ، هي في المركز مع مُلحَقاتِها القومويّةِ والدينَويّةِ والعلمويّةِ والجنسويّة. أما على الصعيدِ الأداتيّ، فهناك المدارس، الثكنات، أماكن العبادة، أجهزة الإعلام، الجامعات، ومؤخّراً شبكاتُ الإنترنيت، هذا وينبغي إضافةَ تصيير الفنِّ صناعةً ثقافيّةً إلى ذلك أيضاً.
لكنّ رجالاتِ العلم العاديين بذاتهم يُقِرُّون بأنّ كِلا الطريقَين يشتملان على معنى يدلّ على تطويرِ حُكمِ الأزمةِ بدلاً من إيجادِ الحلّ، ولا تُذَلَّلُ الأزماتُ ومراحلُ البُحرانِ، ولو بقدرِ الماضي. بل، وعلى النقيض، فبينما تُصبِحُ الأزماتُ ومراحلُ البُحرانِ الاستثنائيّةِ حالةً عامّةً مستمرّة، فالمراحلُ الطبيعيّةُ تغدو استثنائيّةً، لِتَتَبَدَّلَ المواقعُ بهذه الطريقة. بينما تَكمنُ عناصرُ الأزمةِ في أساسِ أنظمةِ المدنيّة، فالمجتمعُ البشريُّ لم يَكُ قد شَهِدَها بهذه الوطأةِ بتاتاً. وإنْ كانت المجتمعاتُ ستُواصِلُ مسيرتَها، فهي غيرُ قادرةٍ على تَحَمُّلِ أشكالِ حُكمِ الأزمةِ على المدى الطويل، فإمّا أنْ تَنهارَ أو تتناثر، وإما أنْ تُقاوِمَ وتتغلّبَ عليها بتطويرِ أنظمةٍ جديدة، ونحن الآن نمرُّ بمرحلةٍ كهذه.

التعليقات مغلقة.