سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

وكانت البداية مع الطين

محمد عزو_

أثبتت التنقيبات الأثرية، التي نُفِّذت في تل “المريبط”، أنّ الفترة التاريخية الواقعة بين الألف التاسع، والألف السادس ق.م، تعدّ من الفترات المفصلية الهامة في سوريا، حيث نضجت جملة من التحولات المتكاملة في التاريخ، ومنها صناعة الآنية الفخارية من الطين، فالفخّار لبّى الحاجة الضرورية لصناعة الآنية من الطين المقاوم للحرارة من جهة، ومن جهة أخرى تمنع تسرّب السائل، وفي “المريبط” الآنية المصنوعة من الغضار الطيني، سبقت نظيرتها المصنّعة من المعدن في طبخ الغذاء السائل.
 من ناحية ثانية، معرفة الإنسان ومهارته الفائقة في استخدام النار؛ من أجل صلابة الكتلة الطينية التي صنعها، مكّنه أيضا من تطوير معارفه، ويبدو ذلك في استعمال الطين في البناء وصناعة الفخار.
لقد سجّلت منطقة “تل المريبط” على “الفرات” أوّل استيطان بشري على وجه الأرض، وذلك منذ عشرة آلاف سنة خلت، وكان أوّل بيت شيد في “المريبط”، يؤكّد حقيقة الاستقرار البشري على “الفرات” الأوسط، وهو يعني اللبنة الأولى للتأسيس الحضاري الذي استلهمت أسسه الرئيسة من مادة الطين.
ومنه بدأت ملامح حضارية جديدة تتشكّل؛ لذلك يعدّ اكتشاف الفخار المصنّع من الطين في “تل المريبط”، من الأمور التي أطلق عليها العلماء بالثورة الانقلابية في حياة السكان، وذلك لما لهذه المادة من أهمية، بالقياس إلى التدبير المنزليّ والعمل المطبخيّ، حيث إنّ العجينة الفخارية مادة مقاومة للحرارة من جهة، وهي تمنع تسرب السوائل من جهة أخرى، وحسب الترتيب الزمني فالآنية الفخارية، تاريخياً، سبقت نظيرتها المصنوعة من المعدن في طبخ الطعام والمواد السائلة.
وعن الملامح الأولى لحضارة الطين، وصناعة الفخار، التي شكّلت انقلاباً في حياة السكان، نقول: “…إنّه في السياق ذاته، كان الإنسان القديم في حالة تعامل مستمرٍّ مع الطين، وبشكّل يومي، ومن هنا نستطيع القول: إنَّ الآنية الفخارية هي حصيلة تعامل الإنسان مع مادة الطين، واكتشافه للخصائص اللدنة لهذه المادة، ومن جهة أخرى معرفة ومهارة الإنسان في استخدامه للنار؛ مكّنته من معرفة حرق الطين حرقاً جيداً، كي يكتسب صلابة ومتانة ضد الكسر، وتحمّلاً للحرارة أثناء عملية طبخ الطعام”، وفي هذا الإطار يقول عالم الآثار “جاك كوفان” عن القرى الزراعية الأولى في سورية، في كتابه “الوحدة الحضارية في بلاد الشام” (..وكان إنسان وادي حوض الفرات رائداً في إنماء معارفه؛ ويتجلّى ذلك في استعمال الطين في العمارة والبناء).
وحول البدايات الأولى في صناعة الفخار، فإن التجربة العفوية علّمت إنسان “المريبط” في البداية، كيف يتحول الطين المشوي إلى فخّارٍ قاسٍ؟ فهو في البداية لم يطلِ جدران وأرضيات المسكن بالطين فحسب، بل طلس أيضاً جدران موقد النار المستديرة من الداخل، وذلك منذ فترة السوية الثانية في “المريبط”، وكانت هذه الحفرة المستديرة والمطلية بمادة الطين، هي الموقد الذي يطبخ فيه إنسان “المريبط” طعامه فوق طبقة من الحصى النهرية، وعبر الاستخدام المتكرّر لهذه الحفرة المستديرة في طبخ الطعام، تشكّلت طبقة طين قاسية أو “فخار قاس”، ما لفت انتباه الإنسان إلى ذلك، حيث عُثِر على دليل في السوية الثالثة في “المريبط”، يؤكّد انتقال الطبخ العفوي للطين إلى طبخ مقصود، حيث تشكّلت أولى الأواني المصنوعة من مادة الطين.
كانت أولى المصنوعات الطينية تتألّف، من الدمى التي تمثل الربّة (الأم) أو “آلهة الموقد”، وفناجين صغيرة الحجم، تعدّ الشواهد الأولى على الصناعة الفعلية للأدوات الفخارية في عام /8000/ قبل الميلاد.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.