عبد الرحمن محمد_
رحل أبو الطرب السوريّ الأصيل، وملك القدود الحلبيّة والموشّحات، الفنان صباح فخري، السوريّ، الذي كان بحقّ عرّاب الطرب السوريّ، وسفير الأغنية السوريّة إلى العالم، يودّع عالم الطرب والعالم بأسره، صباح يوم الثلاثاء الثاني من تشرين الثاني 2021، تاركا إرثا غنائيا وموسيقيا، ستكون مفخرة للأجيال القادمة من بعده.
صباح الدين أبو قواسم مواليد قرية القصيلة في حلب القديمة أيار 1933، وفخري، لقبه الذي حظي به تقديرا من الفنان فخري البارودي، الذي رعى موهبته في بداياته.
كانت نشأته في بيئة دينية محاطة بشيوخ الطرب الأصيل، ومبدعي القدود الحلبية، ومجموعة من المنشدين وقارئي القرآن الكريم، ومجالس “الخوانم” التي كانت تُقام في البيوت والحارات المترفة، وتقيمها الثَّريّاتُ من تلك السيدات، فتعلّم أصول الطرب والغناء على أيديهم، وتحت إشرافهم، وكانت تضمّ جوانب من الفن الأصيل والغناء والموسيقى، وفي ذلك قول للكاتبة السورية شذى نصار: “اشتهر صباح الدين بصوته منذ نعومة أظفاره، وهناك روايات كثيرة عن عذوبة صوته، حتى وهو رضيع، فقد كانت لصوته نغمة خاصة في البكاء، وفي سن مبكّرة، تمكّن من ختم القرآن، وتلاوة سوره في جوامع حلب وحلقات النقشبندية، مفتتّحاً أوّل تمارينه مع الشيخ بكري الكردي، أحد أبرز مشايخ الموسيقى، وتتلمذ على يد الشيخ علي درويش، والشيخ عمر البطش، ومجدي العقيلي، ونديم إبراهيم الدرويش، ومحمد رجب، وعزيز غنام”.
واجه الفنان صباح فخري معارضة شديدة من أهله، المعروفين بالتزامهم الديني، وطريقتهم الصوفية، عندما توجّه نحو الغناء والطرب، وكان أن غنّى أمام “شكري القوتلي” الرئيس السوري آنذاك، وهو ابن الثانية عشر عام 1946، واختار الدراسة في المعهد الشرقي للموسيقى وتخرج منه عام 1949
صوت فريد وألحان مميّزة
استطاع فخري عبر مسيرته تحقيق العديد من النتاجات الفنية، فأصدر خمسة أسطوانات كبيرة و20 كاسيتا (شريطا) صوتيا، إلى جانب العديد من الأسطوانات والكاسيتات المسجلة بشكل غير رسميّ، ومن أعماله الأكثر شعبية، “مالك يا حلوة مالك” و”خمرة الحب اسقنيها” و”قدّك الميّاس”، و”يا طيرة طيري يا حمامة”، و”آه يا حلو”، من التراث والفلكلور السوريّ. واشتهر الفنان صباح فخري بتلحين العديد من القصائد وغنائها، حيث لحّن وغنّى للعشرات من الشعراء المعاصرين، وله عدة أعمال فنية وسينمائية وتلفزيونية وإذاعية.
جوائز وإنجازات عربية وعالميّة
عرف عن صباح فخري تمكّنه ومقدرته الفريدة على الغناء، ولا زالت مدينة، كراكاس الفنزويلية، تتذكّره عندما غنّى فيها لمدة عشر ساعات متواصلة عام 1968محطّما بذلك الرقم القياسي في الغناء المتواصل، ونال العشرات من الجوائز، والتكريمات العربية والعالمية، وشهادات تقدير لا عدّ لها، واُفتتِحت في مصر جمعية فنيّة تحمل اسمه وهي: أول جمعية رسمية من نوعها، تُقام لفنان غير مصريّ. ونال وسام الاستحقاق الذهبيّ من الدرجة الممتازة عام 2007؛ وذلك تقديرا لفنّه وجهده في الحفاظ على استمرارية التراث العربيّ الأصيل، بالإضافة إلى العديد من الأوسمة الذهبيّة والرفيعة في سوريا، والبلاد العربية، والعالم، وتولّى مناصب فنية وفخرية عدّة، وعضوية مجلس الشعب في سوريا عام 1998.
رحل عرّاب الأغنية السوريّة وسفيرها عن العالم تاركا كنزا من الألحان والأغنيات الطربيّة والقدود الحلبيّة، وسجّل اسمه المميّز في سجلات عمالقة الفنّ العربيّ والعالميّ؛ ليكون يوم الثاني من تشرين الثاني يوم وداعة لشعب عريق ووطن جريح غنّى له حتّى رمقه الأخير.