سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كهوف ومغاور “بغديك” الأثريّة

محمّد عزّو (كاتب وباحث في تاريخ الفن)_

أثناء الرحلة المعرفيّة للتّقصي والبحث عن الكهوف والمدافن الأثريّة، الواقعة عند تماس الحدود الإداريّة ببن “الرقّة” و “حلب” في المنطقة الشماليّة – الغربية، وذلك من قبل دائرة آثار ومتاحف “الرقّة” شخصنا إلى قرية “بغديك” الواقعة عند نقطة التقاء الحدود السورية- التركية.
  يُقال: إن معنى اسم “بغديك”، مستمدّ من كلمة “بغدا”ا لكرديّة – التركية وتعني (القمح)، وبتعريب الكلمة إلى العربيّة يُصبح المعنى “قمحانة”،وهناك رأي آخر يقول: بأن اسم “بغديك” جاء من “باغ” وتعني البستان، و”دي” وتعني رأى، أي “رأى البستان”، وتحدّيداً رأى كرم العنب، لأن أراضي القرية كانت مزروعة بالكرمة، وما يدللّ على ذلك، وجود آثار لمعصرة خمور في أطراف القرية، وتتوضّع على مسافة /2/كم في الزاوية الجنوبيّة الغربيّة منها.
 وحول موقع القرية، وأهميّته، وتركيبة السكان فيها، التقينا رئيس المركز الثقافي في القرية “جمعة الأحمد“، وهو في بداية العقد الثاني من بداية الإلفيّة الثالثة الميلادية، قائلاً: تقع قرية”بغديك” شمال غرب “الرقّة” على الحدود السوريّة التركيّة، والحدود الإدارية بين”الرقّة -حلب”، وتبعد عن مدينة “الرقّة”، بخطّ نظر، ما يقارب/95/ كم، وللسالك طريق “تل أبيض” نحو /130/كم، كما تقع على بعد /30/كم إلى الغرب من مدينة “كري سبي/ تل أبيض”، وتعدّ مركزاً للقرى المجاورة لها، وتتبع لها مزارع وقرى عدّة، أهمّها، “مزارع بغديك”الجنوبيّة، و”المحبة”، و”فلة”، و”كل تبة”، التي تعني بالعربية “تل الرماد”، و”آق باش”، وتعني “الرأس الأبيض”، و”العيدانيّة”.
 يبدو الموقع على شكل هضبتين جبليّتين، تقعان شرق وجنوب المواقع المذكورة سابقاً، تدلّ إحداهما، أنّها كانت مقبرة واسعة، وتدلّ الثانية، أنّها منطقة صناعية، ففي الأولى عشرات المدافن، كلّ مدفنٍ مزوّدٍ بدرجٍ حجريٍّ، يفضي إلى قاعة تطلُّ عليها مصاطب للتوابيت، أغلبها لتوابيت كبيرة، وأقلّها لتوابيت صغيرة. ممّا يدلّ على أنّها مدافن أسريّة، وتقع”بغديك” في منطقة زراعية خِصبة، يتجاوز معدل الأمطار السنويّ فيها ما يقارب /300/ مم، وتشتهر بزراعة القمح والشعير والقطن والكمّون والمحاصيل البقولية، ويبلغ عدد سكانها أكثر من ثلاثة آلاف نسمة. ونسبة التعليم فيها جيّدة، وفيها إقبال شديد نحو العلم، حيث يتجاوز عدد الطلاب المنتسبين إلى مختلف الجامعات آنذاك نحو /50/ طالباً، فيهم /15/ فتاة جامعيّة، وفي القرية مدرسة للتعليم الأساسي، حلقة أولى، وحلقة ثانية، ومؤخّراً بُني ملحق لهما، وعدد الطلاب قرابة /425/ طالباً، وفيها نسبة جيّدة من المعلِّمين من أهالي القرية، وتكاد الأميّة تنحصرفي كبار السنّ وهم قلّة، ولدى الأشخاص الذين لا تتجاوز أعمارهم /45/ سنة تكاد تكون معدومة.
 وفيها مرافق أخرى مثل: المركز الثقافيّ، والوحدة الإرشاديّة الزراعيّة، وهاتف وحيد لعامّة أهل القرية، وجامع، ومشروع لمياه الشرب، حيث أنّ”بغديك” حينها كانت تشرب من ماء الفرات، من خلال مشروع إرواء منطقة “تل أبيض”، وهناك مشروع لتشجير جبل “بغديك”، وقد أنجزت مديريّة الزراعة قسماً كبيراً منه.
 مواقعُ أثريّة دينيّة عريقة
 اُكتُشٍف في القرية مواقع أثريّة هامّة، تعود إلى عصور غابرة لم ينقب فيها حتى اليوم، فبالقرب من قرية “بغديك” تتوضّع مجموعة كبيرة من المدافن والكهوف الأثريّة، التي تعود إلى الفترة المسيحيّة المبكّرة، وتقول المصادر الأدبيّة والتاريخيّة: إنّه إبّان ظهور الدين المسيحيّ الجديد، قامت الدولة الوثنيّة الرومانيّة بمطاردة كلّ من اعتقد بهذا الدين، لذلك فرّ الكثير منهم إلى الجبال والبراري المحيطة بالحواضر القديمة، وهناك أقاموا أماكن للعبادة في العراء الطلق، حيث كانوا يمارسون طقوسهم الدينيّة، كما أنّهم قاموا بنحت مساكن لهم في هذه الجبال، وهو النوع الثاني الذي نسمّيه بالكهوف… ونتيجة للتّقصي الأثريّ في منطقة “بغديك”، عُثر على  ثلاثة أنواع من الكهوف والمدافن، وأماكن العبادة.
ـ أولها كهوف السكن العملاقة، وهي منحوتة في الصخر الصلب، على شكل غرف متجاورة، استعملها المسيحيّون الأوائل للسكن والمبيت، ولوحظ في داخل هذه الغرف على بعض الإشارات “الأركيلوجية”، مثل “الحنيّات” داخل الغرف، كانت تُستعمل لوضع الشموع والزيوت، التي كان يستعملها المسيحيّون الأوائل.
ـ النوع الثاني كهوف عملاقة، نُحتت أيضاً في الصخر، وسقوفها محمولة على أعمدة عملاقة، منحوتة من أصل الكهوف ذاتها، وفي داخلها مجموعة من الزخارف المنحوتة، والتي ترمز إلى المعتقدات الروحيّة المسيحيّة الجديدة، وفي أعلى هذه الكهوف توجد فتحات علويّة، تُستعمل لجلب الهواء البارد، وطرد الهواء الساخن في فصل الصيف.
– النوع الثالث، وهي المدافن المنحوتة بالصخر، على شكل أقبية، وفيها مجسّات في الجوانب الأربعة لهذه
المدافن، ويولج إليها عبر فتحة أبعادها /50×90/سم، ويبدوأنّ هذه المدافن قد نُهبت في فترة الاحتلال الفرنسي لسورية، وهي كثيرة العدد، وتقع إلى الجانب الغربي من قرية “بغديك”.
 وهنا لابدّ من الإشارة إلى أن نوع الكهوف التي كانت تُستعمل للمبيت والسكن قديمة جداً، وتعود إلى فترة ما قبل التاريخ، وقد قطنها الإنسان الأول، ويبدو أنّه في الفترة المسيحيّة المبكّرة اُستعملت من قبل أوائل المسيحييّن مع بعض الإضافات الجديدة.
  وتوجد مجموعة من المعاصر المصنوعة من حجر “البازلت”، التي كانت تُستعمل في الفترة الرومانيّة لصناعة الزيوت والخمور، كون المنطقة كانت مشهورة بزراعة أشجار الزيتون والعنب البعليّة، وتتوضّع بالقرب من جبل “بغديك” المجاور للقرية، ويجدر بالجهات الأثريّة الحاليّة الاهتمام والحفاظ على هذه الكهوف، والبحث والتّقصيّ للعثور على مدافن ومعاصر أخرى؛ للاستفادة منها سياحياً، ودراستها، كي ترفد البحث العلميّ الأثريّ بمعلوماتٍ جديدةً عن هذه المنطقة، وعن مغاور “بغديك”، وكهوفها في معتقدات أهل المنطقة، يقول “جمعة الأحمد“: هناك مغارة “كن عفتار”، بمعنى (وكر الضبع)، وتقع على بعد /2/كم، شمال غرب “بغديك”، ولها ثلاثة مداخل رئيسيّة، ومداخل فرعيّة أخرى، ولها منور من الأعلى، ومساحتها تصل إلى ثلاثة دونمات، واللّافت للنظر أنّ في كلّ مدخل من مداخل المغارة شجرة تين نبتت بشكل عفويّ، ووجدت حياتها بين هذه الصخور القاسيّة، وفي أقصاها منافذ تنفتح على بعضها، وأدراج وأحواض ومصاطب، ربما كانت للشموع أو للمواقد.
 وتقول الحكاية الشعبيّة عن هذه المغارة: إنّه في قديم الزمان، كان يعيش ملك ذو قوّة عسكريّة هائلة، ومُلك واسع، وصيت ذائع، وعند اصطدام مصالحه مع مصالح الملك المجاور له، الذي كانت مملكته في الجهة الشماليّة، خاضا حرباً ضروس ضدّ بعضهم البعض لمدّة سنوات عديدة، لم يستطع ملك الشمال القضاء على ملك الجنوب، ففكّر في خطّة عسكريّة محكمة، وقام بحفر نفق كبير، بدأ به من شمال المنطقة المرتفعة، وطالت مدّة حفر هذا النفق حوالي /25/ عاماً، حتّى تمكّن من خرق هذا المرتفع الجبليّ الذي يبلغ طوله حوالي /60/ كم تقريباً من الشمال إلى الجنوب، وعبرت قوّاته عبر هذا النفق في حالة من السريّة التامّة، فطوّقوا المملكة بشكل كامل. وتمّ القضاء عليها.
 وحكاية أخرى تقول: إنّ أحد الفلاّحين افتقد يوماً اثنين من دوابّه، ثوراً وبقرة، وقال أحدهم إنّه رأى البقرة والثور يدخلان هذه المغارة. والغريب أنّ صاحب البقرة والثور، رآهما في قرية قرب المدخل الشمالي لهذه المغارة والمسافة كما أسلفنا /60/ كم.
ـ ‘مغارة “دفه مغار”، أي مغارة الجمل، وتقع في الجبل الشماليّ، وللمغارة واجهتان، الأولى أوسع من الثانية، وفي الواجهتين مداخل عدّة، تقودان إلى المغارة التي تنفتح على بعضها بعضاً، وتتلاحق، كأنّما هي سلسلة من المغارات، و مساحتها لا تتجاوز الدونمين، وامتدادها الطولي أكبر من عمقها، وقد حُفرت في الجبل، وتُركت أعمدةٌ حجريّة ضخمة لتسندها، وتمنع سقوطها، وربما كان هذا السبب الذي جعلها تصمد زمناً طويلاً. آثار المعاول والأزاميل والأدوات المستخدمة في الحفر مازالت موجودة على شكل حزوز غليظة.
  وحول المدافن الأثرية، قال الأستاذ جمعة الأحمد: الموقع هضبتان جبليتان، تقعان شرق وجنوب المواقع المذكورة سابقاً، تدلّ إحداهما أنها كانت مقبرة واسعة، وتدلّ الثانية أنها منطقة صناعية، ففي الأولى عشرات المدافن، كلّ مدفن مزوّد بدرج حجري، يفضي إلى قاعة تطلّ عليها مصاطب للتوابيت، أغلبها لتوابيت كبيرة، وأقلّها لتوابيت صغيرة؛ ممّا يدلّ على أنها مدافن أسرية، وعن معصرة الخمور، قال الأحمد: “تقع معصرة الخمور الأثرية في الزاوية الجنوبية الغربية من “بغديك” وقد قمنا بزيارتها وتصويرها، ويعود تاريخ هذه المعصرة إلى عصور قديمة جداً، وهي عبارة عن قطعة صخرية من البازلت مقسّمة إلى عدّة أحواض، كانت تُستعمل لعصر العنب حتى تُصنع منه الخمور والنبيذ، ثم تُنقل هذه الخمور إلى خزان حجري يقع جانب المعصرة مباشرة، وهو ضيق من الأعلى، وواسع من الأسفل، عمقه حوالي /10/ أمتار، حيث كان يُستخدم لتخزين الخمور. يُقال: إنّ المنطقة كانت مزروعة بالعنب حتى أنّ أحد الكبار بالسن-نقلاً عن جدّ أبيه- يقول: إنّه رأى بقايا أشجار العنب في المنطقة، وحتى الآن آثارها معروفة، وذلك حسب خطوط مستقيمة من الأحجار على التلال المجاورة لمعصرة الخمور الأثرية. وتظلّ منطقة “بغديك” حالة مميزة بطبيعتها وآثارها الرائعة مشروع أحلام السياحة المؤجّلة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.