سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مسرحيّة “تجربة أداء، كاستنيغ”.. عمقٌ في التمثيل، ومعالجةٌ واقعية

كريم حمزة _     

تتعذّر المقاربة الواقعية للحياة السورية في زمن أصبح الواقع يفوق الخيال كلَّه في الخراب الإنساني لذات الإنسان، ودفع حياته إلى زوايا قصيّة في الخراب المادي، وانغماسها فيه، حيث أصبح همُّه الحفاظ على حياته المهدّدة في الوجود، كبشر قادرين على الاستمرار في الحياة، وتأمين استمراريته، أمام هذا الواقع الذي يسير من السيئ إلى الأسوأ، ويقدّمه الفن المسرحي عبر شخصيّات تقف على المنصة المسرحية السورية في مسرح أبي خليل القباني، بـ “تجربة أداء، كاستينغ” من تأليف وإخراج سامر محمد إسماعيل، وأداء” عامر العلي، دلع نادر، ومجد نعيم”
حكاية العرض
تبدأ الحكاية من شخصية “المخرج والرسام جهاد” التي يجسدها عامر العلي، وهي شخصية مريضة بالانفصام النفسي (ولا يكشف هذا المرض إلاّ في مشهد الختام)، بينما يتعامل على أنه “مخرج؛ ورسام”؛ ويريد اختيار فريق عمل لفلمه الذي يرغب في تصويره؛ ويبدو أنّه في وضع الاختيار النهائي لبطلة الفيلم، خاصة أنّه اتصل بالشركة المنتجة، واستدعاءه لمقرِّها، يوحي أنّه في اللحظات الأخيرة من تشكيل فريق التمثيل في الفيلم.
وعند ترتيب حقيبته للخروج تدخل الممثلة “جوليا، دلع نادر” القادمة من محافظة من أخرى، وتطلب منه خمس دقائق للامتحان، ويعتذر في البداية لكنّه يعود ليدخل في الزمن المتاح لإجراء الامتحان من خلال طلبه منها أن تعرّف بذاتها، وماذا عملت في مجال التمثيل؟!.
 وعند نهاية ذلك، يتقدّم نحوها ويخلع عن رأسها “الباروكة الشقراء”، ويطلب مسح المكياج، ونزع الرموش. ويدعوها لكشف وجهها الحقيقي.
ويسألها عما إذا كانت قد عملت في السينما؟!، فتُجيب بالنفي، لكنها تموت حباً في السينما، فيطلب منها أن تتحدث له عن فيلم حضرته وتحبه، وتسرد له حكاية فيلم حضرته مع خطيبها تحترق السينما به، ويُعاد بناؤها، ولا تعرف اسم الفيلم، ويجيبها إن هذا الفيلم هو سينما باراديسو.
ويطلب منها الحديث إلى الكاميرا مباشرة بدون “بوزات الفنانين، “بوزات تمّ السمكة”، عبر حالة استرخاء، مثلما تغني في مطبخ منزلها، فتقول إنّها شاركت في عمل مسرحي “جثة على الرصيف” للكاتب سعد الله وسّوف” ويصحّح لها الاسم ” سعد الله ونوس”. وتذكر أن دورها كان الجثة.
ويدعوها أن “تحسّ وتتعايش مع الحالة المطلوبة، وألا تمثل، فالتمثيل معايشة”، وأن تحكي عن خطيبها.
وتردّ أنّ اسمه جهاد، وهو فنان تشكيلي، استغلّها لكي تصبح موديل عاري ليرسمه على لوحاته في أطباق الكانسون، وليس بالريشة والفرشاة. وتتعرّض لتفجير في حديقة الجاحظ، وتُصاب بالعمى المؤقّت، عندها يُغادر جهاد سوريا، ويتركها لمواجهة أقدارها.
 ويطالبها بالبوح أكثر عن معاناتها كلّها، وتشبِّه ذاتها بماسورة الألوان التي أفرغها في لوحاته، وألقاها في سلّة المهملات، هذا الواقع الشديد القسوة، دفعها للعمل في أقدم مهنة في التاريخ هي” بيع الجسد، الدعارة”، لتكون قادرة على العيش.
 وتكشف عن مشاركتها في دورة تمثيل لمدّة شهرين، درست فيها منهج (ستانيسلافسكي) في التمثيل والإخراج المسرحيّ؛ لتصبح ممثلة مشهورة تمتلك بيتاً وسيارةً، وتعالج جريح حرب فقد يده، وتُركَّب له يدان اصطناعيتان.
ويدخلان في حوار حول الوجود والكون والحبّ، عند هذا الحد تدخل زوجة المخرج (مجد نعيم) لتوضح أنّه مريض نفسيّ قيد العلاج، ويأخذ دواءه، وأن كل ما شاهدناه مجرد وهم، مخرج ورسام، وتعطيه دواءه، ويرميه في سلّة المهملات بعد أن يمثّل أنّه أخذه، وتبوح بمعاناتها معه في ظل الأوضاع السورية القائمة. وأن اللجنة الفكرية في المؤسسة العامة للسينما، رفضت سيناريو الفيلم الذي يكتبه لأكثر من مرّة، وتطالبه بسيناريو لفيلم جديد.
وتحكي الزوجة عن أحلامهما المشتركة في بداية حياتهما الزوجية، وتمثيل الفيلم، والمشاركة في المهرجانات، ليختتم العرض بمنولوج له عن المشاركات التي سيقوم بها المهرجانات العالمية، والطيران فوق الأطلسي، والمقابلات والحوارات الإعلامية حول الفلم.
اضطهاد المرأة
يعرض الكاتب والمخرج سامر إسماعيل اضطهاد المرأة السورية في حالة مجتمعية تقوم على صنوف الاستغلال كافة للمرأة السورية، مجسّدة من خلال شخصيتي العرض” جوليا، والزوجة”.
 إنّ مركزية الشكل الإخراجي المهني سواء في السينما أو المسرح، توضّح جزءاً من عملية الاضطهاد الذي تتعرّض له جوليا، ويزداد هذا الاضطهاد عبر عملية نزع الشكل الخارجي كلّه، الذي أحبّت جوليا أن تقدم ذاتها به، فتركيبة الشخصية النسوية مشابه إلى حدٍّ كبير العديد من ممثّلات هذه الأيّام، التي تعتمد أساساً على الشكل دون الدراسة والعلم والمعرفة، فالرغبة في العمل والحصول على المال لا يبرر عدم المعرفة والدراسة والعلم، وعدم التدقيق في المعلومات التي تعد ذاتها أنها تمتلك مثل فيلم “سينما بارديسو”، ويُضاف إلى ذلك عندما يوجهها أمام الكاميرا، ويسخر من الممثّلات والفنّانات الّلواتي يتصوّرنَ أمام الكاميرا في”بوزات تمّ السمكة”، لذلك يطالبها في الاسترخاء، والحديث للكاميرا أن تكون في غاية الطبيعية بعيداً عن الاصطناع والتمثيل قريباً من الإحساس، والعيش والتعايش في الحالات المطلوبة. ومع التجلّي في عملية البوح، يظهر الاضطهاد الأكبر لجوليا من خلال معاملة صديقها الرسام جهاد لها.
والمفاجأة الكبرى، عندما يتشوه جسدها ووجهها، أنه لا يستقبلها، ويهاجر مباشرة، يتركها لمعاناتها مع العمى والتشوه الجسدي، وتدخل جوليا في حالات جديدة من العمى الشخصي والعام- خاصّة- عندما لم يبق لها من معيل في مرحلة عدم قدرتها على قضاء حاجتها الشخصية بذاتها.
بالإضافة لذلك حديثها عن حالات برودة الشام وعتمتها التي تشعر بها نتيجة فقدان المعيل والمحبّ، ودخولها مرحلة التعافي من المرض والحالة نتيجة مقاومة الجسد والحالة النفسية.
وتتذكّر كيف تخلّى عنها بمواجهة أهلها ومجتمعها المحيط بعد معرض العريّ الذي أقامه؟ وتهديدات أهلها في العقاب برشّ وجهها بماء النار لتشويهه.
 وبين الحقيقة والوهم ومرض الفصام، نجد الزوجة التي تقوم بكلّ ما يلزم، لكي تحافظ على زوجها وبيتها، ومحاولات العلاج والشفاء من الحالة التي يعيشها الزوج. فالاضطهاد للمرأة ظهر في حالات الابتزاز عند جوليا، وعند الواجبات اليومية التي تقوم بها الزوجة من تأمين الطعام والعلاج النفسي، والتقدم نحو تجاوز حالات الوهم الفصامي بذكر حضور هذه الشخصية في بدايات الحياة الزوجية.
الأداء والإخراج
إن العمل المسرحي يهدف إلى تجسيد الحياة في حالات الصدام بتناقضاتها المتبادلة؛ لتحقيق الطموحات الإنسانية، وهذا ما عمل عليه المخرج، سامر محمد إسماعيل، في نبش دواخل ومعاناة ممثليه كلِّهم عبر تحطيم الكليشات والبوزات الجاهزة في التعبير عن الحالات التي يقدمها النصّ في لحظات انهيار مجتمعي سوري، يعاني منه الإنسان الفرد على الصعيد الشخصي والعام، وهذا ما نجد مادته الأساسية في شخصية “جوليا” التي عانت طويلاً ممّا تعرّضت له من استغلال حبيبها (جهاد) الذي غدر بها، واستطاعت تقديم هذه الحالات بكلّ لحظاتها بصدق وأمانة إنسانية، بعيداً عن الادعاء التمثيلي، فالصدق والواقعية في الأداء؛ جعلت من العرض المسرحي جرعة منسجمة من الأداء المتواصل بين جوليا وجهاد والرسام والمخرج في تعدد أدوار العلي؛ لكي يصل إلى المتلقي المسرحي عبر عفوية وبساطة نابعة من عمق الممثلين بعيداً عن الشكلانية والتكلّف في التمثيل.
وهذا ما جعل المتلقي يتعاطف كثيراً وطويلاً مع الحالات التي عبّرت عنها (جوليا) من لحظات الاغتصاب إلى الانفجار الذي تسبّب لها بالعمى والتشوه على الصعيدين الجسدي والنفسي، وعملية توريط المخرج في أداء الشخصيات المقابلة لها في التعذّيب الجسدي الذي تعرّضت له، والنفسي عبر ارتدائه القناع في رسم ملامح غير محدّدة للمغتصب والمعذّب، وشرح إهمال المجتمع نتيجة انهيار المجتمع بقيمه كلِّها المتعارف عليها في مرحلة ما قبل الحرب.
 والمفاجأة التي تفجرها شخصية الزوجة بأن (الزوج، المخرج) هو مريض نفسي بالانفصام، وهذا ما يعزّز عمليّة (النبش الداخلي العميق)؛ لتعدّد الشخصيات التي قدمها، وكذلك رسمها للطموحات الكبيرة التي كانت تعوِّلها على زوجها في بدايات الحب والزواج بحياة رغيدة ومرفّهة في ظلّ واقع متداعٍ على أكثر من صعيد، إلى جانب الأحلام بالسفر والشهرة والتمثيل؛ لكونها قريبة من الحالات التي يرغبها الزوج في التمثيل، ذلك كلّه تبخّر أمام المرض الذي أصاب الزوج، فتحوّلت إلى ممرّضة تتابع شؤونه كلَّها داخل عشّ الزوجية وخارجه، وخاصّة تقديم السيناريوهات التي يكتبها مع كلّ تغير في السيناريو للجنة الفكرية في مؤسّسة السينما.
أخيراً استطاع المخرج والمؤلّف سامر محمد إسماعيل، تقديم عمل مسرحيٍّ متكامل؛ لذلك نادراً ما كان يوجد مقعد فارغ في مسرح القبّاني من متلقٍ، يرغب بمشاهدة ممتعة وعميقة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.