سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“باريس ـ أثينا، ولادة اليونان الحديثة”.. في التلازم بين الآثار والفن

تتمتّع اليونان بمكانة غريبة ومحورية، في الوقت نفسه، داخل المخيال الأوروبي. فهي، من ناحيةٍ أولى، الجزء الأبعد أو الأضعف من أوروبا، كما أظهرت ذلك الأزمات الاقتصادية التي عرفها البلد وتعامل الأوروبيين معها؛ بل هي بداية “الشرق”، وهي بلد ليس أوروبياً إلا على أوراق الاتحاد الأوروبي.
لكن، من ناحية ثانية، يظهر البلد بوصفه الأرض التي تفرّعت منها جذور الحضارة الغربية ومنتجاتها من فكر وفنون وعلوم وتنوير وفلسفة وحتى شعر. هذه هي الصورة التي أنتجها الرومانسيون، منذ نهايات القرن الثامن عشر، حول العودة إلى الأصول الإغريقية للحضارة الأوروبية، وهي الصورة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، بل إنها منذ الرومانسيين ونيتشه زادت رسوخاً وتقبُّلاً بين عموم الغربيين، خصوصاً أن “العدوّ” الذي تُبنى سرديةُ “اليونان الأوروبية” على أساس الخصام معه، هو الدولة العثمانية، الذي تمرّ الآن مائتا عام على انفصال اليونان عنها.
هذه المنزلة الخاصة التي تعرفها اليونان في السرديات الأوروبية الحديثة والمعاصرة هي موضوع معرض “باريس ـ أثينا: ولادة اليونان الحديثة، 1675 ـ 1919” الذي افتُتح في متحف “اللوفر” بباريس في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر الماضي، ويستمرّ حتى السابع من شباط/ فبراير 2022. يسعى المعرض، بحسب منظّميه، إلى الإضاءة على “الروابط التي تجمع اليونان والثقافة الأوروبية، ولا سيما من خلال تتبّع خيط العلاقات التي تجمع باريس وأثينا”.
يربط بين الاكتشافات الأثرية في القرن 19 وتطوّر الفنون الجميلة
روابطُ بدأت، في العصر الحديث، مع تعرُّف سُفراء ومبعوثين أوروبيين إلى اليونان وهم في طريقهم إلى الباب العالي، حيث كان البلد جزءاً من الدولة العثمانية. ورغم حماسة “اللوفر” لأوروبية اليونان منذ القرنين الـ 17 والـ 18، يشرح المعرض لزوّاره قيام القوى الأوروبية بدعم وتمويل حرب استقلال ضد حكومة إسطنبول، ليخرج البلد من تأثير إسلامي ـ شرقي ويصيرَ تحت نفوذ ألماني فرنسي بحلول منتصف القرن التاسع عشر.
وبعد أعوام فقط من تحوّل أثينا إلى عاصمة، ستقيم فيها فرنسا وألمانيا مراكز للبحث في الآثار، وهو ما سيفتح الباب على مرحلة جديدة ستبني فيها أوروبا تاريخاً إغريقياً خاصاً بها، مع اكتشاف مئات المواقع التاريخية والتحف الفنية والآثار.
يريد معرض “اللوفر” لنفسه أن يكون أوّل معرض يعقد حلقة وصل بين هذه الاكتشافات الأركيولوجية من ناحية، وولادة الدولة اليونانية وتطوّرها من ناحية ثانية، إضافة إلى تطوّر الفنون البصرية الذي رافق هذه الاكتشافات من ناحية ثالثة، ولهذا الغرَض، يُتيح المتحف الباريسي عشرات المواد من قطع وبقايا ولقىً أثرية، ومن لوحات وتماثيل وصور، التي يجري ربطها بمراحل من التجربة السياسية التي عاشها البلد حتى عام 1919.
تُقام على هامش المعرض عدّة ندوات، من بينها تناولت العلاقة بين الكاتب الفرنسي شاتوبريان واليونان، فيما أقيمت في التاسع والعشرين من الشهر المنصرم ندوة حول ولادة الأدب القومي اليوناني.
يرى بعض الباحثين أنّ التصوّف أتى كردّة فعل على احتكار المؤسّسة الفقهية الرسمية في القرن الثالث الهجري، حيث هيمنت تنظيرات علماء الكلام بدعم من السلطة، فعكَس اعتزال المتصوّفة نوعاً من الاحتجاج من خلال انسحابهم من الحياة العامة، وتبنّيهم خلاصاً فردياً.
لا يمكن الإمساك بحقيقة ثابتة حول نشأته، فقد تعدّدت التفسيرات حول رؤية المتصوّفة للنظام الاجتماعي والسياسي وعدم انخراطهم فيه، لكن فلسفتهم ظلّت جاذبةً للمريدين على اختلاف طرائقهم، وكذلك للباحثين؛ ومنهم الكاتب البريطاني جون بالدوك الذي ألّف كتابه “جوهر الصوفيّة” عام 2004.
انتُقد الصوفيون بسبب تأويلهم المختلف للعلاقة مع الخالق
تشير المترجمة إلى أن بالدوك بدأ حياته رسّاماً ومدرّساً لتاريخ الفن في “مدرسة اللوفر” الباريسية، ثم في لندن، لكنه ترك مهنة التعليم في نهاية المطاف من أجل استكمال استكشافه الجوانب الرمزية والتقاليد الدينية في العالم؛ حيث وضع مؤلّفات مثل “جوهر الرومي” و”مبادئ المسيحية” وغيرهما.
يقف المؤلّف عند محطّات أساسية في حياة النبي محمد، وفي مقدّمتها كلمة “اقرأ” التي خاطبه بها جبريل في أثناء خلوته في غار حراء وتُعدّ إيذاناً بنشر الإسلام، حيث قرأ الرسول “كلمة الله” في تلك الليلة بعد أن نزل القرآن كلّه إلى قلبه، مستشهداً بالباحث الأميركي فيكتور دانر بأنّ الصور المرتبطة بالقلب لها أهمية خاصة، لأن الطرق الصوفية يُشار إليها غالباً باسم “طريق القلب”، كما يتحدّث الصوفيون أيضاً عن “صقل القلب” من خلال تذكّر أو ذكر الله.
أمّا حول تأويل الصوفية للقرآن، فيوضّح بالدوك بأنّ الرومي تبنّى تفسيراً روحياً للآية الواردة في “سورة البقرة”، التي تقول: “إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ”، حيث يقرّ التفسير الحرفي، لكنه يضيف أن البيت يحيل إلى عالم الصوفيّين الداخلي الذين يطلبون من الله أن يطهّره من الرغبات والإغراءات الدنيوية حتى يصبح ملاذاً يمكن التواصل معه في سلام وأمن.
ويلفت إلى أنّ علماء الفقه اهتمّوا بالشريعة بما فيها من تعليمات وتكليف للمسلمين، فيما مال الصوفيّون إلى المسار الداخلي (الطريق)، ولم يميلوا إلى إنشاء هياكل متجانسة على غرار الفقهاء؛ فالجوهر بالنسبة إليهم هو الأهم، ما عزّز الانتقادات لهم مع تقديمهم لتأويلات مختلفة في تواصلهم مع الذات الإلهية وطقوسهم الناشئة عنها.
حققت أطروحات التصوف غايتها في الرد على انتقاد السلطة الدينية
يستعرض بالدوك الأدبيات الصوفية بدءاً من كتاب “اللمع في التصوف” لأبي نصر السراج في القرن العاشر الميلادي، الذي يُعدّ أقدم المراجع التي وصلت إلينا، وتوالت بعده مؤلّفات مثل “قوت القلوب في معاملة المحبوب” لأبي طالب المكي، و”الرسالة القشيرية” لأبي القاسم النيسابوري، كذلك ظهرت الطرق الصوفية بعد ذلك بفترة قصيرة مثل الشاذلية والمولوية والنقشبندية.
ويحلل أيضاً الرموز فيها، التي تبدأ بفرضية أن الكائن الرمزي (الواقع الخارجي) له معنى ضمني (الواقع الداخلي)، والتي اتخذت تشبيهات مهمّة في تلك الأدبيات كـ”القطرة والمحيط”، و”نبيذ المحبوب”، و”العاشق والمعشوق”، و”المجنون وليلى” المأخوذ من قصة قيس وليلى، حيث باتت الأخيرة تجسّد رمزياً للصوفيين المسار الذي يدلّ على سرِّ الجوهر الإلهي.
في الفصل الأخير، يحاول بالدوك فهم جوهر الصوفية من خلال تتبّعه لسِير بعض أبرز شخصياتها وما تركوه من فلسفة لا تزال حاضرة إلى اليوم في الثقافة الإسلامية، كما عبّرت عن جانب منها رابعة العدوية في دعائها الشهير “اللهم اجعل الجنة لأحبائك، والنار لأعدائك. أمّا أنا فحسبي أنت”، وأبو القاسم الجنيد الذي قال: “التصوّف أن تموت عن نفسك، وتحيا بربّك”.
ينبّه المؤلّف، في الخاتمة، إلى أنّ معظم الكتابات التي أوردها حين محاولة تفسير تعاليم الصوفيين الباطنية بلغة ظاهرية يمكن فهمها من غير الملمّين بالموضوع، وأنّ هذه الطروحات حقّقت غايتها في الردّ على السلطة الدينية التي وصفتهم بالهرطقة، حيث اعتُرِف بالصوفية ولم تعدّ ثمة حاجة لمزيد من الكتابات لإثباتها.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.