سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إخوة إلى الأبد

عامر فرسو_

كتب في أعلى الصفحة….. “يوم الثلاثاء الخامس عشر من شهر تشرين الأول لسنة ألفين وتسعة عشر ميلادية، وهو اليوم السابع لعملية “نبع السلام” التركيّة المشتركة مع الجيش الوطني السوري لتحرير مدينة رأس العين في شمال شرق سوريا من الميليشيات الكردية الإرهابية”، ثم وضع خطاً تحت تلك العبارة الطويلة؛ كأنه يشير إلى رغبته بكتابة ما يوحي بعكس ذلك، وبعد بضعة نقاط سوداء شكلت فراغاً ملفتاً كُتِب بخط عريض مُذكرات سليمان أبو خالد الحمصي…….
منذ أكثر من ساعة والهدوء يخيم على المدينة من بعد قصف متواصل بالطائرات والمدافع. وضع دفتر ملاحظاته جانباً، وتمدد على السرير الخشبي المواجه للنافذة المطلة على الشارع؛ وهو يحترس من انكشافه للطرف الآخر خوفاً من القنّاصة الكرد…
بعيون قلقة تمعّن الأطر الخشبية المهشّمة للصور الكثيرة المعلّقة على جدران الغرفة، استرعت انتباهه صورة شاب يطوّق خصر فتاة بلباس العرس؛ إلا أنه نقل نظره إلى النافذة، ورغب في النوم، ولكن قهقهة مقاتلي المجموعة التي هو أحد عناصرها؛ والذين اجتمعوا في الصالون الكبير أسفل الطابق الأول لم تكن تدعه ينام…. تقلّب على السرير؛ وهو يفكر في زوجته التي تركها خلفه مع طفلهم الوحيد في إدلب منذ قرابة أربعين يوماً؛ من بعد مجيئهم إلى الحدود التركية السورية، وتمركزهم في مدينة جيلان بينار؛ المقابلة لمدينة Serȇkaniyȇ رأس العين السورية؛ تجهّزاً لاجتياحها؛ كما خُطط له من أشهر عدة… انتشله من أفكاره تلك المقاتل سالم القصير؛ وهو يفتح عليه الباب:
– أبو خالد! أما زلت هنا…. لماذا لا؟!……
فقاطعه أبو خالد موضحاً:
– لا رغبة لي في أي شيء.
– أبو خالد! إذا بقيت على هذه الحالة فالقائد سيعيدك إلى المعسكر، ولن يتهاون معك، هو مستاء جداً من تصرفاتك وترددك.
– يا سالم! أنت تعلم جيداً بأن القائد كان يخبرنا بأن هؤلاء كفار وإرهابيين…. انظر… تمعّن في معالم المدينة؛ كم مسجداً شاهدناه؟ والبارحة، ألم تلاحظ حين مرورنا بالمقبرة… إنها قبور المسلمين يا أخي!؟ وكم قرآناً مقدّساً وجدناه في بيوتهم، ونحن نغتصب حرمة بيوتهم وممتلكاتهم، ونبعثر في عراء الليل مقتنياتهم الخاصة…. انظر من حولك في هذه الغرفة؛ حتى لباسهم لم يسلم من أيادينا.
– أرجوك يا أبو خالد أن تكفّ عن هذا الحديث!… نحن هنا في مهمة قتالية، وتحرير للأرض…..
فقاطعه أبو خالد على عجل:
– تحرير الأرض ممَنْ.. أجبني؟!
حينها تركه القصير متأففاً وهو يتمتم بخوف.
ظلّ الحمصي لوحده، ومن بعيد كان يسمع أزيز الرصاص من جديد… نظر إلى ساعته بعينين حائرتين؛ لا تستطلعان الوقت؛ بل تتوجّسان الزمن، فهرب ببصره إلى الخزانة الخشبية الكبيرة التي خلع المسلحين أبوابها؛ مبعثرين كل مقتنيات تلك العائلة الكردية الفارة من نيران العدوان… قام إلى حقيبة ملقاة على الأرض، تظهر من فتحتها الجانبية صور وأوراق.. حمل الحقيبة، وأفرغ محتواها على السرير، تناثر منها الكثير من الصور… صورةً ما خطفت نظره، وقبل أن يتمعّن فيها؛ بدأت القذائف تتساقط على الحيّ الذي يقع على يسارهم، والمعروف بحيّ المحطة…. ترك ما بين يديه، وتلقّف سلاحه، نازلاً إلى قبو البناء… لم تكن العتمة تتيح لقائدهم الملقب بالتركماني رؤية جميع مقاتليه في ذلك القبو؛ الذي ما يزال مليئاً بمئات الكتب والمجلات والجرائد، والتي تفصح عن كون مالكها مهتماً بالعلم والأدب… بعد لحظات انقطع دويّ القذائف، فطلب التركماني من عناصره جميعاً إنارة شواحن الطاقة الشمسية التي معهم، فأنارت القبو، وانكشفت أكوام الكتب، فزعق فيهم متسائلاً بغضب:
– ألم أطلب منذ البارحة إحراق هذه الكتب، وإفراغ القبو… أين هو الحمصي… أين أبو خالد؟
كان سليمان أبو خالد الحمصي شارداً، ما تزال تلك الصورة التي أثارت انتباهه منذ ساعة عالقة في ذهنه، تستدرجه إلى سنيين خلت، لم يشعر إلا والتركماني يضربه على صدره، ثم يهزه من كتفيه متسائلاً:
– ما بك يا حمصي؟!…. هيه.. هيه.. هيه.. ألست معنا؟!
ردّ الحمصي بارتباك، وعيناه على الأرض:
– معكم.
ارتسمت ابتسامة خبيثة على وجه التركماني، وأضاف:
– غداً صباحاً تحرق كل هذه الكتب التافهة، ويفرغ القبو، سيلزمنا لتخزين الغنائم.
وقهقه بلؤم؛ مستديراً على بقية العناصر؛ وهو يشير إلى بعضهم لمرافقة قائد ميداني يعرف بينهم بوكيل الغنائم، فطفحت وجوهم بالسعادة؛ وهم يتأملون حصصهم من ممتلكات الأهالي التي تستولى عليها.
لم يكن الفجر قد سحب الشمس إلى هامش صفحة السماء الشاهدة على مآسي مدينة سري كانيه/ رأس العين الكردية؛ حينما كان الحمصي ينقل الكتب بضيق من القبو…. ألقى بحمولة الكتب التي بين يديه على الكومة التي تشكلت أمام مدخل البناء، وبحذر صعد الطابق الثاني؛ ليرضي خفقات قلبه القلقة مذ أن انطبعت على عجل الرؤية الخاطفة لتلك الصورة في عينيه…
أدار الباب خلفه، وبرهبة تناول الصورة الملقاة على قفاها… انتفض قلبه، ارتعشت شفتاه، شعر بثقل الكون كله يرتطم كضربة مطرقة بصدره، تهاوى على ركبتيه، دموع صامتة سالت من عينيه….. رفع الصورة عالياً أمام ضوء الفجر، وقرأ ما دوّن خلفها بحبر أحمر (من اليمين وقوفاً جمال العلي دير الزور، وفيق الشعار دمشق، فرهاد حسو رأس العين….. من اليمين جلوساً خالد المقداد درعا، سليمان الرحال حمص، يوسف دلو عفرين، يعقوب حبيب حلب).
السويداء / الفرقة 15 الفوج 404 دبابات/13 نيسان 1999… أخوة إلى الأبد.
ضرب بقبضة يده على الأرض، وردد بوجع: “أخوة إلى الأبد”، وها أنا أنتهك حرمة مخدعك يا فرهاد…. يا لعاري… قام إلى صورة فرهاد وعروسه المعلّقة على الجدار… كم كبرت يا صديقي! ولكن قلبي كان يحدثني أني أعرفك…..
كنت تناديني سليمانووووو … أيها الرحال، تعال قد طبخت برغل الجزيرة، فأركض مقهقهاً، وأسألك: ما قصتك يا كردي! تُلحِق أسماءنا بحرف الواو…. فتضحك، وتنادي على وفيقو… خالدو… جمالو…يعقوبو … نقهقه جميعاً مجتمعين على رائحة برغل الجزيرة…..
استدار سليمان رحال الحمصي، بينما الصورة ما تزال في يده، وعيناه مليئتان بالدموع، ليتفاجأ بالتركماني خلفه؛ يهزّ رأسه… وبعد برهة صمت، أفصحت عيونهما عن الكثير مما لم يقولاه لفظاً… نطق التركماني جملة مهّدت لبندقيته لاغتياله:
– هكذا إذا يا حمصي…. أنت لا تصلح للبقاء بيننا!
بحركة خاطفة رفع رأس بندقيته، وبطلقة استقرت في رأس سليمان الرحال الحمصي الموجوع في قلبه.
أنهى التركماني تلك الصحوة، ثم أفصح للعناصر التي صعدت إليهم، مشيراً إلى النافذة:
– إن طلقة قنّاص كردي كافر اغتالت الحمصي…
بهدوء تام سحب المقاتلون جثّة سليمان الرحال؛ تاركين بالقرب من بركة دمائه صورة تمثّل الوطن.
تنويه:
– كل الأسماء الشخصية الواردة في القصة لا ترتبط بأي أشخاص وإن صدفت توافقها مع أسماء حقيقية في أي مكان وزمان.
-القصة نُشرت في مجلة أدب ونقد – أيار 2020
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.