سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العقل أم النص

عبد الله محمد بوخمسين (كاتب وشاعر سعودي)_

سؤالٌ يُطرح باستمرار على الفلاسفة والمُفكرين وغيرهم من أهل العلم منذ أن بدأ الإنسانُ في طرحِ الأسئلة بعدما ابتدأ في تعلم القراءة والكتابة وبعدما أجاد كتابة تركيب الجمل التي تتكون من كلمتين أو أكثر، استطاع أن يكتب النصوص بجميع أنواعها من العلوم الاجتماعية ابتداءً وليس انتهاءً بعلوم الفلك والفلسفة والمنطق وبقية العلوم وغيرها الكثير مما يهم الإنسان وإلى وقتنا الحاضر.
السؤال هو…. أيهما مُقدم على الآخر (العقل أم النص) لا وجه مقارنة بينهما البته…. حيث العقل ابتداءً هو الخلق الأول الذي أبدعه الله في الإنسان، وعقل الإنسان هو الذي اخترع اللغة التي تنبثق منها النصوص، ذلك لم يكن ابتداءً وإنما العقل هو من اخترع لغة التخاطب لحاجة ماسَّة بعد إدراكه للحسَن والقبيح وذلك حين الشعور بالاقتراب أو الابتعاد النفسيين والرضا من عدمه من سلوك سلكه هذا الإنسان أو حتى من مشاهدةٍ شاهدها، بعد ذلك وجد حاجته للتعبير بواسطة الرسم ثم التعبير الصوتي بكلمة أطلقها على ما حسّنه أو ما قبحه بعد إدراك عميق لاستنباط المعنى الذي يتداوله السامعون.
الإنسان بقدراته العقلية وبفكره المُنتج الذي استطاع به أن يَتطور ويُطور استطاع كذلك أن يخترع لغةً للتفاهم في شؤونه العامة والخاصة في مجتمعه ومحيطه، وقد ابتدأ بإطلاق الأسماء على مشاهداته من التضاريس والحيوانات والممارسات والسلوكيات وجميع مشاهداته وحاجاته الآنية واللاحقة، ثم تدرجت مهاراته اللغوية بحيث أصبح يصوغ ويُركب جملاً من الكلمات، وكذلك تطور أكثر من ذلك بحيث أصبح يُنشئ نصاً متكاملاً مفهوماً لدى المتلقين….ليس ذلك مقتصراً على مجتمع واحد وإنما تعددت الألسن (اللغات) بتعدد المجتمعات المتباعدة، إن العقل خلقه الله للإنسان واختصه بالتفكير والتفكر والتدبر بقدراتٍ لامحدودة، أما اللغة بحروفها وكلماتها وجملها فهي اختراع إنساني، كما أن النصوص لها مراتبٌ أعلاها النصوص المُقدسة التي تتمثل في الكتب السماوية التي أنزلها الله على من اختارهم رُسلاً لتبليغها إلى الناس وهي متعددة وآخرها القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله محمد “ص” آخر الأنبياء والمرسلين، ثم الروايات المعتمدة الصادرة عن الأنبياء ثم يتبعها نصوص الحكمة المنقولة عن الحكماء.
إن العقل هو حاكم على النص حيث أن العقل هو الميزان الحقيقي للتعرف على صلاحية النص وجدواه وفائدته، وذلك باستشعار تمييز الحسن من القبيح، إذ لا شك أن العقل بجميع قدراته في التفكر والتفكير بأنماطه المختلفة له مطلق الصلاحية في إصدار ما يتوافق مع العقل البشري حسب السنن الكونية والقوانين الطبيعية…. إن العقل المُدرك الذي يستطيع التفكير والتحليل للنصوص بكل مستوياتها نزولاً وصعوداً إنما هو الذي يُرتب مكانتها حتى وإن كانت من النصوص التي نُطلق عليها (المقدسة) غير (الكتب السماوية) والتي نزلت بألسن أقوام أنبيائها والتي لم تسلم من التحليل والتفكيك والإخضاع لتاريخها وزمنها.
أما غيرها؛ فإن كثيراً منها يخضع ليس فقط للتحليل وإنما تخضع للثقة في الصحة أو عدم الثقة في عدم صحتها…. هنا أقصد ما نُطلق عليه الروايات (السنة) إذ أجمع كثيرٌ من العقلاء على عدم ثبوت صحتها، ولذلك فقد صنَّف علماء المسلمين الحديث والروايات إلى عديدة منها… المتواتر، الصحيح، الحسن، الضعيف، المندوب، المتصل، المنقطع…. وغيرها، كما اشترطوا موثوقية الراوي وسلامة المتن…..
ولذلك فإننا نجد (صحيح البخاري) (صحيح مسلم) (الكافي للكليني) هذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم الوثوق في كثير من الأحاديث التي لا تتفق مع العقل حيث اختيار مما جُمع ما يعتقدونه الصحيح، ليس ذلك فقط وإنما قام بعض علماء الحديث بنخل صحيح البخاري وبقية الصحاح وأطلقوا عليها (صحيح الصحيح) كل هذا يدل على أن العقل مقدمٌ على النصوص الروائية والأدبية والفكرية وحتى النظريات الفلسفية.
إن كثيراً من الأدباء والمفكرين والفلاسفة والمحققين يقومون بمراجعة إنتاجاتهم فإما يلغونها كلياً أو بعضاً أو يتراجعون عن بعض أطروحاتهم، كذلك في علوم الفلك والعلوم البحتة والعلوم الإنسانية نراها تتغير باستمرار حيث أن العقل البشري يتطور تطوراً مذهلاً.
مما تقدم فإني أرى أن لا حكم للنص على العقل ولا يمكن تسليم العقل له حيث أن العقل متحرك في أبدية الدهر بدليل التطور البشري.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.