سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بابلو نيرودا… أيقونة الثَّورة التّشيليّة

إعداد/ دجوار أحمد آغا-

مَن مِنا لم يتغنى بأشعاره التي انتشرت في سائرِ أرجاء المعمورة وبمعظم اللُّغات الرئيسيّة، عرِفنا ثورة تشيلي وشعبها من خلاله ومن خلال قصائده التي تغنى فيها بمقاومةِ شعب تشيلي في مواجهة الديكتاتورية البغيضة التي حكمت بُلدان أمريكا الجنوبية ومن ضمنها جمهورية التّشيلي. امتازت قصائده بالبُعد الإنساني وحالات العشق.
لنتعرف على تشيلي أولاً
يعود تاريخ تشيلي إلى ما قبل 3000 عام ق.م حيثُ كان يقطنها قبائل (مانوتشي وأمار) وهم السّكان الأصليون للبلاد. يُعد الرحالة البرتغالي ماجلان 1480/ 1521 أوّل من اكتشف تشيلي خلال رحلةٍ بحريّة قام بها في الأوّل من تشرين الثاني 1520، كما يُعد الإسبان أوّل المستعمرين الأوروبيين لتشيلي من خلال الحرب التي شنّها النقيب في الجيش الإسباني بيدرو دي فالديفيا سنة 1540 حيث استمرَّ الاستعمار الإسباني لغاية سنة 1818 حيث تم إعلان الجمهورية التشيلية. خاضت تشيلي تجربة الديمقراطية بداية السّبعينيات من القرن المُنصرم عندما نجح الزَّعيم الاشتراكي سلفادور الليندي بالوصول الى سدّة الحُكم من خلال الانتخابات التي أُجريت عام 1970. لكنَّ؛ هذه التجربة لم تستمر سوى سنواتٍ قليلة لتُخيّم بعدها دكتاتورية الجنرال أوغستينو بينوشيه ولمدة 17 عاماً على تشيلي وتقضي على مُكتسبات وإنجازات الشَّعب.
بالنسبة لموقع تشيلي فهي تقع غرب قارة أمريكا الجنوبية تبلغ مساحتها 756,102كم2 تحدُّها البيرو من الشّمال ومن الشَّرق بوليفيا والأرجنتين ومن الجنوب والغرب المحيط الهادي. عاصمتها سانتياغو التي يعود تاريخ تأسيسها الى عام 1541. عدد السّكان حوالي 18 مليون نسمة. أهم الموارد الطّبيعيّة النُحاس والخشب وخام الحديد والمعادن الثمينة والطّاقة المائيّة.
من هو بابلو نيرودا؟
في الثاني عشر من تموز 1904 وفي قرية بارال وسط تشيلي ولِدَ أحد أشهر شعراء أمريكا الجنوبية وأكثرهم تأثيراً في مجرى الحياة الإجتماعية والسّياسيّة في بلده وسائر العالم. إنَّه بابلو نيرودا والذي قال عنه غابرييل غارسيا ماركيز الروائي الكولومبي الأشهر عالمياً: “إنَّ بابلو نيرودا من أفضل شُعراء القرن العشرين في جميع لُغات العالم”.
اسمه الحقيقي نفتالي ريكاردو رييز كانت والدتُه روزا نفتالي تعمل بمهنة التدريس. بعد شهر فقط من ولادته، فقدها نتيجة إصابتها بمرض الدرن (السِّل). والده اضطرَّ لترك عمله في الرّيف والذهاب للعمل في ميناء تلكوانو حيث انتقل بعدها إلى العمل في السّكة الحديديّة في تيموكو. خلال ترحاله وسفره مع والده بالقطار أحبَّ نيرودا الطّبيعة لا بل عِشقها وهو ما نميزه من خلال قصائده التي يتغنَّى فيها بالطبيعة.
انتقلت عائلتُه عام 1906 إلى تيموكو وهناك تزوج والده للمرّة الثّانية من “ترينيداد كانديا ماربيردي” التي كانت بالنّسبة لنيرودا بمثابةِ أُمّه أو الملاك الحامي. دخل نيرودا المدرسة الخاصّة بالصِّبية، حيثُ تابعَ دراسته حتى أنهى الصّف السّادس في دراسة العلوم الإنسانيّة عام 1920. البيئة الطبيعيّة المُذهلة لمدينة تيموكو والغابات والبُحيرات والأنهار والجبال شكّلوا وللأبد العالم الشّعري لبابلو نيرودا.
بداية مسيرته الأدبية والشِّعرية
ظهرت مواهب نيرودا الإبداعية في سنٍ مبكرة وكان للطبيعة كما أسلفنا دورٌ هامٌ في فتح قريحته الشّعرية. في عام 1920 اختار لنفسه اسم “بابلو نيرودا” وبدأ يكتب الشِّعر والقصائد تحت هذا الاسم. في آذار 1921 قرّر نيرودا السَّفر إلى سانتياغو حيث استقرَّ في بيت الطَّلبة لاستكمال دراسة اللُّغة الفرنسيّة التي كان يتقنها مثل الفرنسيين. كانت سانتياغو وقتها تعجُّ بالمُظاهرات الثوريّة ضدَّ النظام الحاكم، هذه المظاهرات التي جذبت نيرودا إليها مندفعاً متحمساً للأفكار الثوريّة التي تأثرت بصعود الشّيوعيّة في روسيا ومنها إلى سائرِ بلدان العالم، حيث أصبحت الشّيوعيّة سبيلاً للخلاص من الظُّلم والجور الذي كان يُعاني منه شعب تشيلي. سنة 1924 ترك نيرودا دراسة اللّغة الفرنسيّة وتخصص في مجال الأدب حيث بدأ بكتابة بعض القصص ومن ثم القصائد ومن أهم ما كُتب ونُشر (عشرون قصيدة حب وأغنية يأس، أشهد أنني قد عشت، نشيد لفيديريكو لوركا).
نختار من إحدى قصائده حيث يقول: “أهواكِ عندما تصمُتين/ أهواكِ عندما تصمتين فأنا أغيبُ في هذا الصَّمت/ وأسمعُكِ من بعيد وصوتي لم يُلامسُكِ بعد….”.
تزوج نيرودا سنة 1930 من فتاة هولندية تدعى “ماريكا” وأنجب منها طفلةً وحيدة أسماها “مارفا مارينا” بعد ذلك وأثناء فترةِ تقلُده منصب سفير تشيلي في الأرجنتين سنة 1933 التقى بالمُناضلة الأرجنتينيّة الشّيوعيّة “ديليا ديل كاريل” والتي كانت تكبُره بعشرين عاماً إلَّا إنَّهما تزوجا وعاشا معاً حياة مليئةً بالتِجوال والترحال بحكم توليّه مَنصب سفير بلاده في العديد من دول أوروبا.
استقالته من السِّلك الدبلوماسي ووفاته
توفيَ والده عام 1938 ممَّا أثَّر عليه كثيراً بسبب ارتباطه الوثيّق مع والده منذُ الصِّغر بعد وفاة والدته، وهو ما بدا عليه إلى أن أُصيب بمرضٍ أقعدهُ عن الحركة سنة 1968، وفي 21 تشرين الأوّل عام 1971 فاز نيرودا بجائزةِ نوبل في الأدب، وعندما عاد إلى تشيلي استقبله الجميع باحتفالٍ هائل في استاد سانتياغو وكان على رأس الاحتفال الرئيس التّشيلي المُنتخب ديمقراطياً وصديق نيرودا “سلفادور الليندي” الذي أطاح بنظامه الديمقراطي الجنرال أوغستينو بينوشيه من خلال انقلابٍ عسكري. عندما قتل الانفلاقيون الرئيس الليندي جاء جنود بينوشيه إلى بيت بابلو نيرودا حيث بادرهم الشَّاعر بالسؤال عمَّا يريدون قالوا له: جئنا نبحث عن السّلاح في بيتك، فردَّ قائلاً: إنَّ الشّعر هو سلاحي الوحيد. وبعدها بأيامٍ قليلة توفي نيرودا في 23 أيلول 1973 بعد ثلاثةِ أيامٍ من عرض المكسيك اللّجوء السّياسي عليه. آخر الجمل التي قالها ولعلّها آخر جملة في كتاب سيرته الذاتيّة: (أعترف أنّني قد عشت) كانت:
“لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرةً أخرى”.
مانويل أرايا، سائق نيرودا، يصرُّ على أنَّ الشَّاعر مات مقتولاً بعد حقنه بالسُّم من جانب عُملاء بينوشيه. وكشفت تحليلاتٌ حديثة لرُفات نيرودا عن أنَّه لم يمُت بسبب سرطان البروستات الذي كان يُعاني منه، لكنَّها لم تكشف بَعد عن السَّبب الحقيقي لوفاته. إلَّا أنَّ الدكتور أوريليو لونا أكّد في مؤتمرٍ صحفي، إنَّ الخبراء “تأكّدوا بنسبةِ مئةٍ في المئة” أنَّ شهادة الوفاة التي أصدرتها دوائر الديكتاتور بينوشيه “لا تعكس السَّبب الحقيقي للوفاة”.
ووفقا لرواية أرايا، فقد اتصل به نيرودا في اليوم الذي توفي فيه، ليخبره بأنَّه حُقن بشيءٍ ما في بطنه بينما كان نائماً، وطلب منه أن يذهب إليه في المستشفى سريعاً.
وتوفي نيرودا في ذلك المساء، ويقول أرايا إنَّه ليس لديه شكٌ في سبب موت نيرودا. وقال أرايا في حديثٍ لـ “بي بي سي” عام 2013: “لن أغيّر روايتي حتى مماتي. لقد مات نيرودا مقتولاً، لم يُريدوا أن يُغادر البلاد فقتلوه”.
استمرارية نيرودا بعد موته
لم يكتفي بينوشيه بعدم السَّماح بإقامةِ مراسم جنائزيّة تليق بالشَّاعر الكبير، حيث تمَّ دفنهُ في مكانٍ على طرف السَّاحل الغربي قرب بيته، بل تعمَّد لطمس صورة نيرودا حينما قررت حكومة بينوشيه الشّاعرة غابرييلا ميسترال كأهمِّ شخصيةٍ ثقافية في تاريخ تشيلي وكأنَّ البلد لم يمتلك أبداً شاعراً عظيماً يُدعى بابلو نيرودا. كما قام بتخريب ممتلكات الشَّاعر وكذلك حظرَ منشوراته في ذلك البلد طيلة سنواتِ حُكمه. وفي مَطلع عام 2003، باعت البلدية بيت طفولة نيرودا في بلدة “بارال” جنوب العاصمة سانتياغو لمالكٍ جديد، الذي قام بدوره بهدم البيت كلياً ماحياً ذكرياتٍ وأمكنةٍ نستكشفها ونقرأ عنها كثيراً في قصائد نيرودا. حدث هذا دون أيّ تدخلٍ من الحكومة التشيليّة اليمينيّة التي كانت تكره الشّاعر كُره العَمى بسببِ أفكاره وآراءه الثّوريّة التي لطالما كتبها في قصائده التي أضحت أغاني وطنيّة وأمميّة.
سنة 2004 ومع تغير الحكومة اليمينيّة وهبوب رياح التغير الديمقراطي على تشيلي أُعيد الاعتبار للشَّاعر الكبير وتم تأسّيس جائزة الشّعر الإيبيرية – الأمريكية بمناسبة الذكرى المئوية لميلاد الشَّاعر ومنذ ذلك الحين تُمنح الجائـزة وقيمتها 60 ألف دولار أميركي من جانب المجلس الوطني للثقافة والفنون في تشيلي سنوياً، لشاعر أو شاعرة متميزة، يرعى الجائزة كلٌّ من بنك الدولة ومؤسسة بابلو نيرودا للشعر.
حالما استعادت تشيلي ديمقراطيتها سنة 1990 مع زوال عصر بينوشيه المُقيت، بدأ التفكير في المُصالحة مع نيرودا، الشَّاعر الذي حمل البلد في قلبه وعقله وشعره. فتحرّكت هيئات ثقافية ومؤسسات وعلَت أصوات تُطالب بإعادةِ النَّظر في علاقة تشيلي بالشَّاعر الذي نُفي واُضطُهد في حياته وحتى بعد مماته. وعممت قراءة ودراسة قصائده في المدارس الوطنيّة، مع الاعتراف بالدّور الفعّال الذي لعبه في تاريخ البلد سياسياً وثقافياً.
يقول صديق نيرودا الروائي تشيلي فولوديا فولوسكي، البالغ من العمر 88 عاماً، وهو آخر من عاصر نيرودا: “حتى أسوأ شعرٍ سياسي لبابلو له قيمة… إنَّه مثل سلسلة جبال الأنديز بقممها العالية وسفوحها المنحدرة والخطيرة. لقد أرادَ بابلو أن يكون جزءاً من كفاح النَّاس من خلال الكلمة العميقة دائماً”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.