محمد عبدو-
إن التعليم بمضمونه العام لا يعمل سوى على إثبات كفاءة الشخص من الناحية النظرية، فكم من متعلمين فشلوا في الحياة العملية بالرغم من تحقيق أحلامهم وإن صح التعبير حلم آباءهم في المجتمعات الشرق أوسطية، أما الثقافة العامة أو المجتمعية فتكتسب من التجول والاختلاط بكافة فئات المجتمع من صغيرهم وكبيرهم فقيرهم قبل غنيهم، والظالم والمظلوم وما بقي منهم.
ولعل احتكاك الشعوب واتحاد القبائل وتبادل الخبرات ولّد الحضارات التي شُيّدت على أسس المعرفة والتطور الذي اكتسبه الإنسان فعجائب الدنيا السبع اعتمرت قبل بناء الجامعات أو حتى أدوار تعليم يتكئ عليها المجتمع لحفظ مستقبل الأجيال والأفكار التي رُسخت في ذهننا من هذا القبيل.
فالمثقف هو الإنسان الذي يحوي بمضمونه شغفاً بالبحث ورؤية الأمور من كافة النواحي والاتجاهات ولا يتقيد بقالب أو قانون يحد من إطار معرفة الحقيقة التي يبحث عنها، مما يجعله أمل التطور والتغيير، وبكلام آخر هو فنان يحب قوس قزح بكل ألوانه وجوانبه ويعرّفها على أنها ظاهرة فيزيائية ناتجة عن انكسار وتحلل ضوء الشمس خلال قطرة ماء المطر.
أما المتعلم هو الإنسان الذي حصل على ورقة تفيد بتفوقه في المجال النظري لا العملي، يعمل على وضع نفسه ضمن قالب القوانين القاسية التي لا تلين فهو أيضاً فنان لكنه يشترط حب قوس القزح بوجود اللون الأحمر، ولا يسأل عن نشأته لمجرد أنه شيء ليس من “اختصاصه”، فيغب الإبداع بالتصور والتطوير.
إن المجتمع يستفيد من المتعلم في خدمة مجال محدد لا سواه وفق ما يُبدع فيه، لكنه يعجز عن حل المشكلات والمفاجئات إن واجهته نظراً لعدم تمتعه بالخبرة الكافية.
في حين أن المثقف يمتاز عنه بخدمة المجتمع وتدارك الأخطاء وفهم الرؤى والطرق والمثلى لحل القضايا العالقة في مجال عمله، بل مساعدة غيره وترجيح ما هو أقل خسارة وأكثر فائدة.
والإجابة عن تساؤل من يقود المجتمع، ببساطة هو الأكثر كفاءة في العمل والإنتاج في الاستيفاء والإقناع في صاحب النظرة الثاقبة الذي يتطلع إلى الأمام دون خوف من الفشل، لعل هذه الصفات لا تجتمع في أشخاص كُثر إلا أنها المفتاح في تطور الأمم وخلق الثورات.
فأقرب ثورة لنا في القرن الواحد والعشرين هي ثورة الإنترنت، والتي كان من أبرز روادها بيل غيتس الذي لم يحصل على شهادة جامعية لكنه نقش اسمه في كتاب التاريخ كأبرز المؤثرين في نمط حياة البشرية.
والطريق الأول لنشأة الفكرة هو عبر تصورها خيالياً، فالخيال أداة ذات حدين مثلها مثل غيرها يمكن توظيفها بجل ما هو مفيد يساهم في وضع ليس حجر واحد بل أحجار أساس لبناء ما يمكن أن يغير الواقع إلى الأفضل.
نحن من نضع ونصنع القوانين ليس حباً بها بل لترجيح ما هو جيد، فإن كان لقانون يقيد الكفاءة فليذهب إلى الجحيم، فالشيء الوحيد غير القابل للتغيير هو التغيير نفسه.
وأخيراً على مجتمعاتنا الشرق أوسطية كسر القوالب والحدود التي تحد من معرفته بالأمور، فالفلسفة وضعت حداً لتدخلات الكنيسة في الثورة الفرنسية لإنجاز ما يطلب، ففي عصر نهضتي الشرق كان الغرب بلاد السفهاء إلا أن أسلافنا فقدوا ذلك العصر، ومن واجبنا السعي لإعادته عبر التثقف أولاً والتخيل ثانياً، فالسلاحين أقوى من الصاعقة حتى.