سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

من أروقة الإبداع/ القصيدة: رسالة من المعتقل الشاعر: سميح القاسم

ولد الشاعر سميح القاسم لعائلة عربية فلسطينية في مدينة الزرقاء الأردنية في الحادي عشرمن ايار عام تسعة وثلاثين وتسعمئة والف، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. كان والده ضابطاً في قوات حرس الحدود الأردنية، أما جدَّه الأول “خير محمد الحسين” فقد كانَ فارساً مِن أسياد القرامطة قَدِمَ مِن شِبه الجزيرة العربية لمقاتلة الروم واستقرَّ به المطاف على سفح جبل حيدَر في فلسطين على مشارف موقع كانَ مستوطنة للروم. وما زالَ الموقع الذي نزل فيه معروفاً إلى اليوم باسم “خلَّة خير” على سفح جبل حيدر الجنوبي.
عرفت العائلة بحبها وشغفها بالأدب والثقافة والعلوم، وكذلك الشاعر سميح الذي علّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي.
يعرف عن الشاعر القاسم حادثة القطار التي كان فيها عائدً إلى فلسطين وكان طفلاً وتعرض للتهديد بالقتل ممن كانوا معه من العائدين، ليصمت عن البكاء، وانبرى والده بالدفاع عنه وقال عن ذلك فيما بعد: “لقد حاولوا إخراسي منذ الطفولة سأريهم سأتكلّم متى أشاء وفي أيّ وقت وبأعلى صَوت، لنْ يقوى أحدٌ على إسكاتي”.
عرف عن الشاعر الثائر مقاومته الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، وسجن مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، وعمل في الصحافة والتدريس والأعمال اليدوية، وساهم في تحرير صحيفة الغد والاتحاد ثم عمل رئيس تحرير لمجلة “هذا العالم” عام ستة وستين وتسعمئة والف، ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في “الاتحاد” وسكرتيراً لتحرير الجديد ثم رئيساً للتحرير.
 أسس سميح القاسم مع الكاتب عصام خوري عام ثلاثة وسبعين وتسعمئة والف، ما عرف بمنشورات “عربسك” في حيفا  وفيما بعد أدار المؤسسة الشعبية للفنون في حيفا. وعمل كرئيس تحرير للعديد من المجلات والصحف.
كتب سميح القاسم الشعر بغزارة، وكذلك كتب القصة والمقالة والمسرح، صدر له أكثر من أربعين كتاباً في فنون الأدب واقسامه العديدة، وصدرت أعماله في سبعة مجلدات عن ثلاث دور نشر في القدس وبيروت والقاهرة، كما ترجم عدد كبير من قصائده إلى الانجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية ولغات أخرى.
توفي الشاعر الثائر الجميل في التاسع عشر من آب عام عشر وألفين ميلادية في صفد عن عمر ناهز الرابعة والسبعين.
رسالة من المعتقل
ليس لديّ ورقٌ، و لا قلمْ
لكنني.. من شدّة الحرّ، ومن مرارة الألم
يا أصدقائي.. لم أنمْ
فقلت: ماذا لو تسامرتُ مع الأشعار
وزارني من كوّةِ الزنزانةِ السوداء
لا تستخفّوا.. زارني وطواط
وراح، في نشاط
يُقبّل الجدران في زنزانتي السوداء
وقلتْ: يا الجريء في الزُوّار
حدّث !.. أما لديك عن عالمنا أخبار ؟..؟!
فإنني يا سيدي، من مدّةٍ
لم أقرأ الصحف هنا.. لم أسمع الأخبار
حدث عن الدنيا، عن الأهل، عن الأحباب
لكنه بلا جواب!
……………………..
صفّق بالأجنحة السوداء عبر كُوّتي.. وطار!
وصحت: يا الغريب في الزوّار
مهلاً ! ألا تحمل أنبائي إلى الأصحاب؟..
……………………
من شدة الحرّ، من البقّ، من الألم
يا أصدقائي.. لم أنم
والحارس المسكين، ما زال وراء الباب
ما زال.. في رتابةٍ يُنَقّل القدم
مثليَ لم ينم
كأنّه مثليَ، محكوم بلا أسباب!
……………………..
أسندت ظهري للجدار
مُهدّماً.. وغصت في دوّامةٍ بلا قرار
والتهبتْ في جبهتي الأفكار
. . . . . . . . . . . . . .. . . . .
أماه! كم يحزنني!
أنكِ، من أجليَ في ليلٍ من العذاب
تبكين في صمتٍ متى يعود
من شغلهم إخوتيَ الأحباب
وتعجزين عن تناول الطعام
ومقعدي خالٍ.. فلا ضِحْكٌ.. ولا كلام
أماه! كم يؤلمني!
أنكِ تجهشين بالبكاء
إذا أتى يسألكم عنّيَ أصدقاء
لكنني.. أومن يا أُماه
أومن.. .. أن روعة الحياه
أولد في معتقلي
أومن أن زائري الأخير.. لن يكونْ
خفّاش ليلٍ.. مدلجاً، بلا عيون
لا بدّ.. أن يزورني النهار
وينحني السجان في انبهار
ويرتمي.. ويرتمي معتقلي
مهدماً.. لهيبهُ النهار!!

التعليقات مغلقة.