سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“بكرى أحلى”.. تفاصيل من رحلة أمّ نازحة

جل آغا/ غزال العمر-

زوج شبه مشلول وأربعة أطفال صغار وأمٌّ واجهت رصاص الخطر الذي أحاط بالعائلة من كلّ جانب؛ قوة لا تدري الأم من أين استمدتها.. أهي الرغبة بنجاة عائلتها أم الخوف على أفرادها من الموت الذي كانت تشم رائحته أينما اتجهت في الشارع.. أمام الفرن.. في الحدائق.. من كلّ حدبٍ وصوب؟!
خلف جدران كلّ بيت سوري قصص وحكايات رافقت الحرب السورية؛ منهم من فقد عزيزاً ومنهم من تشرد ومنهم من طالته يد الغدر واستشهد ومنهم من اختفى، ومنهم من خُطف؛ بيوت دمرت لم يبق من معالمها إلا أكوام من الحطام والركام؛ تناثرت الذكريات في دروب النزوح المريرة وصارت الخيمة الآمنة حلماً لكلّ نازح عانى ما عانى من قسوة التهجير.
نجاح العبد الله “38 عاماً” أم لأربع بنات وولد وزوجة لرجل مشلول أصيب بجلطة شبابية فقد على أثرها القدرة على المشي المتوازن. تتحدث لنا الأم نجاح عبر منبر صحيفتنا “روناهي” عن محطات رحلتهم في نزوحهم من مدينتهم دير الزور التي اضطروا لمغادرتها مكرهين؛ جراء الاشتباكات بين “الفصائل المتقاتلة” بربيع عام 2014م؛ تتذكر نجاح ذلك اليوم الذي نزحت فيه العائلة من الدير المدينة إلى الأرياف، حيث قطعوا الطريق بين سير على الأقدام وتنقلاً بالسيارات؛ فوصفت ذاك الحال بأنّه: “لم يكن أفضل حالاً في الريف” تعذبت العائلة لحين الوصول؛ لكنّها تفاجأت بذات الوضع.
“داعش سودوا حياتنا”
“داعش” كلمة مرعبة، غربان سود يطوقون المكان، أحكام قاسية وأوامر لا تنتهي، أطفال ينامون والخوف يسكن قلوبهم؛ قصاص وقتل ودمار وخراب؛ لتردد نجاح بحسرة عن تلك الحقبة “الدير ما عادت دير صارت مدينة للغربان السود”، لكن هيهات هيهات الخروج والنجاة.
تُكلم نجاح زوجَها عن الوضع ويتحدثان عن موضوع الخروج بصمت على ضوء شمعة يكاد ينتهي فتيلها؛ لكن الأمل والرغبة بالحياة أقوى من السواد والظلم الذي عانوه من مرتزقة داعش وممارساته.
أربع أولاد صغار ووالد شبه مشلول مسؤولية أم مكتوفة الأيدي لا حول لها ولا قوة، فرت بهم رغم ضعف الفرص بالنجاة إلا أنّ العائلة ورغم المصاعب التي مرت بها من مرض أطفالهم وجوعهم وعطشهم وشبح الخوف الذي سكن قلوبهم استطاعت بعد جهد وعناء الوصول لمدينة الحسكة.
“الغرفة اليتيمة”
غرفة مترامية الجدران متهالكة تلعب بها رياح الشتاء وتلفحها سموم الصيف “الغرفة اليتيمة” هذا ما تطلقه عليها نجاح التي ترى بها ملاذاً آمناً، وتابعت: “نشعر بها وكأنّنا في العراء لكنّها أفضل من غيرها”. رضيت الأم بالمتاح وزادت: “نأكل ونشرب وننام ونستحم بنفس الغرفة”.
بدأ الزوج يعمل على بسطة؛ لبيع الدخان، يأخذه جاره كلّ يوم لمكان عمله ويعيده، ومع الأيام سورت العائلة البيت من خلال مساعدات تلقوها من الجيران؛ “الذين عوضوهم عن أهلهم ولم يشعروا معهم بأنّهم غرباء، على العكس من ذلك”، تقول نجاح حيال ذلك: “أحببت هذا المكان رغم غلاء الآجار وقلة الماء، ربما أستطيع إيجاد بيت آخر لكن من المستحيل أن أجد ذات الجيران”.
وتتابع الأم النازحة وصف حياتهم الحالية بقولها بأنّ الأيام تشبه بعضها؛ فشهر رمضان يمر كأيّ شهر آخر حيث لا تجديد بطعامهم ولا بشربهم وكذلك الأعياد، وأردفت: “أشعر بغصة وأنا أعد بناتي بثياب جديدة كلّ عيد ولا أستطيع الوفاء بالوعد”، اعتاد أولادها وتأقلموا مع الوضع؛ فهم ليسوا متطلبين ويقدرون ما تمر به الأسرة من ظروف معيشية صعبة بحسب تعبيرها.
أما عن حياتهم في دير الزور قبل الحرب والأزمة السورية فتقول: “نحن أبناء عزّ لكنه النزوح.. ولكنها الحرب!” فلزوجها محلات وأراض وأملاك التهمتها نيران الحرب ودمرتها قذائف الحقد “خرجنا بثيابنا”، تحمد الأم ربها كلّ يوم أنّ أولادها ينامون بسلام ودون خوف ولا ذعر ولم تفقد أحدهم خلال الرحلة الشاقة؛ فالأم لا تنسى كم عانت كي تخرج أولادها من الجو الذي تصفه بالمأساوي والوضع النفسي الصعب الذي مروا به؛ أطفالها الذين لا يحنون أبداً لمدينتهم دير الزور لشدة ما علق بذاكرتهم من مشاهد قتل وعنف لا تنسى بحسب قولها.
بماذا تحلم الأم نجاح؟
لنجاح أحلام بسيطة باتت بنظر الكثير من السوريين شبه مستحيلة في ظل وضع معيشي صعب، حيث قالت: “أحلم ولو بخيمة تؤوينا، المهم أن تكون ملكاً لنا في أي بقعة من بقاع الأرض”، عيون أطفالها التي تراقب حديثها تخبئ خلف محاجرها الكثير من الكلام والدموع والكثير الكثير من الأمل الذي تزرعه هذه الأم كلّ يوم مع إشراقة كلّ فجر جديد؛ لتردد مبتسمةً ابتسامة ملؤها الحنين والصبر على مسامعهم “بكرى أحلى”.
تناشد الأم النازحة نجاح العبد الله الجهات المعنية والمنظمات الإنسانية بالوقوف على حال المهجرين من عفرين وسري كانيه وكري سبي ودير الزور وتفقد أحوالهم؛ هل هم جياع؛ هل هم عطشى وكيف يتدبرون أمورهم الحياتية؟
أسئلة تضعها نجاح باسمها وباسم كلّ نازح فارق بلده بين يدي الجهات المعنية؛ ورسالة تود إيصالها لمن يهمه الأمر مشيرةً للأوضاع المعيشية الصعبة التي يمرون بها.
هذه هي المرأة السورية؛ شماء عنيدة صبورة قوية تصنع قلاع الأمل والصمود؛ رغم السواد وآثار الدمار وخيوط اليأس التي تزيحها رويداً رويداً؛ لكنّها تعرف بأنّها ستصل بالنهاية لغدٍ أجمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.