سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

هايكو العالم… حلم بانيا ناتسويشي ـ1ـ

فيروز مخول (كاتبة وشاعرة سورية مغتربة)-

يعتبر بانيا ناتسويشي أحد أبرز الشعراء اليابانيين المعاصرين، ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذين يشتغلون على تجديد شعر الهايكو الياباني العريق، وتحريره من العوائق التي تهدّد نضارته وقابليته للتجدد والانفتاح. يستمد الشاعر بانيا ناتسويشي من مختلف الروافد التي يمكن أن يستلهم منها أي شاعر حداثي مادة شعره بدءاً من اختبارات التجربة الذاتية إلى آداب الثقافات، وأساطير الشعوب، ومدارس الشعر الحديثة، وغيرها من لوازم اشتغاله اللغوي والتخييلي.
يصرّ الشاعر الياباني بانيا ناتسويشي على ترسيخ تجربته الشعرية في سياق دينامية انفتاح القصيدة اليابانية على العالم. وعلى عكس شعراء عصر العزلة الكلاسيكيين، من قبيل باشو وبوسون، وإيسا، وريوكان، يحظى ناتسويشي بنعمة الترحال بين عواصم العالم والكتابة بلغات متعددة، والتفاعل مع ثقافاتها وتجارب شعرائها، مما مكّنه من بلورة رؤية كونية لكتابة الشعر وتلقّيه، وتجريب فن الهايكو، إبداعاً وترجمة وتنظيراً، بمختلف احتمالاته وارتداداته في لغات العالم.
فتح بانيا ناتسويشي محفل الهايكو على مدارات الشعر المختلفة، حيث قدم من خلال الترجمة من اليابانية وإليها أصواتاً شعرية عالمية من ضمنها بعض شعراء اللغة العربية أمثال الشاعر المغربي محمد بنيس، والشاعر السوري جمال محمود هنداوي. وترجمت أعماله الشعرية إلى أكثر من عشرين لغة من لغات العالم.
باكورة أعماله الشعرية “ريوجوكي Ryojoki” الصادرة عام 1983، لاقت حفاوة من طرف نقاد وشعراء المرحلة، واعتبر شاعراً ينهل من منجزات مدارس الشعر الفرنسية السوريالية والدادائية بشكل خاص، وفي شعره إرهاصات قصيدة يابانية حرة ومغايرة.
في عام 1998، أاسس مجلة الهايكو الدولية جينيو (التروبادور) Ginyu بالاشتراك مع الشاعرة سايومي كاماكورا Sayumi Kamakura، وأصبح منذ ذلك الحين ناشرها ورئيس تحريرها. كما شارك في تأسيس جمعية الهايكو الدولية عام 2000 في سلوفينيا.
يتخذ بانيا من قصيدة الضفدعة، وهي الأشهر في تاريخ الهايكو، نموذجاً للقصيدة الكلاسيكية، وتعدّ أفضل تجسيد لبلاغة باشو وروحه التجديدية. تقول القصيدة: بركة قديمة/ نطة ضفدع/ صوت الماء. في هذه الأشطر الشعرية الثلاثة استطاع باشو أن يحرك بركة الشعر الآسنة ويمدّ شعر الهايكاي بطاقة حيوية خلاقة نقلته إلى أفق جديد. نطة أحدثت خدشاً في جدار صمت قرير، مستثيرة مخيلة الشاعر، محدثة حالة انتباه أخرجته من الاستغراق الذاتي إلى التّماس مجدّداً مع محيطه الطبيعي. وتلك خاصية جوهرية لازمت شعر الهايكو منذ نشأته التأسيسية الأولى: خلق المفارقة بين عالمي الداخل والخارج، السماء والأرض، الفناء والديمومة، الثبات والتحول وغيرها من الثنائيات التي لازمت شعره وشعر مجايليه في مختلف أطوار تجربتهم.
ويعتبر باشو هذه القصيدة فاتحة عهد شعري جديد بالنسبة إليه. أما الشاعر بانيا، فيرى أن قصيدة الضفدعة تعكس روح التجديد الخلاقة لدى المعلم الأول، باشو. نفس الروح التي سيتلقفها بانيا بعد ثلاثة قرون ويستلهمها ليدفع بسهم التجديد إلى أقصى مدى ممكن.
فتحت صدمة الحداثة باب التأثير والتأثر على الواجهتين. إذ بقدر ما أقدم الشعراء اليابانيون على العالم الخارجي ينهلون من آداب الشعوب وثقافاتها، بقدر ما أحدث الهايكو نفسه تأثيراً ملحوظاً على وعي شعراء العالم الغربي وتصورهم لكتابة الشعر والصورة الشعرية. نجمت عن هذه الثقافة كتابات وترجمات قام بها باحثون ونقاد غربيون من قبيل و.ج. آشتون، ولافكاديو هيوم، وب.هـ. شامبرلن الذين حاولوا فهم ثقافة اليابانيين وفي طليعتها شعر الهايكو، المعبّر الأصيل عن روح اليابان العريقة.
مع شعراء جيل الضياع الأميركي في بداية القرن العشرين، ومروراً بشعراء النزعة الصورية Imagism، ثم السوريالية والدادائية بفرنسا، خلال العشرينات والثلاثينات، أخذ شعر الهايكو يحتل مكانة متميزة في المشهد الشعري الغربي حيث أصبح يعتمد من طرف الشعراء كطريقة جديدة لصوغ “الصورة الشعرية الجوهرية” البسيطة المتحررة من زخرف القول.
في سياق هذا الخط التجديدي الذي عرفته الشعرية اليابانية منذ الحرب العالمية الثانية، يندرج مشروع بانيا ناتسويشي الرامي إلى فتح محفل الهايكو على مدارات الشعر العالمية والذهاب بتجربة رواد التحديث إلى أبعد وأوسع مدى ممكن، ومن ثمّ تحرير الهايكو من كل العوائق الكلاسيكية التي تجعل منه نمطاً عتيقاً بالياً.
يتبع…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.