سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

القَصَّــــــــــــــــاب

محمد عاطف (كاتب وشاعر من مصر)-

في قريتنا أيام كان يَلِفُها الظَّلام الدامِس لعدم وجود الكَهرُباء حينئذٍ، ما خلا الكُلوُبَات النُحاسية ذات الرأس الزُجاجي والرَتِينَه والتي تعمل بالكاز وتُعلق أمام الدكاكين أو لمبة الكاز /نمرة ٥ أو١٠ أو ١٥/ للإنارة داخل البيوت والتي كان يتم وضعها أيضًا بداخل الفَوَانِيس الزُجاجية وتُعلق أمام بَعض البُيوت، وكان (القَصَّابُون) الجزارون يذبَحون الذبائح بالشوارع ويُعلقُونها بمنتَصف (السِبية) والتي هي عبارة عن حامِل خَشبي هَرمي الشكل مَضموُمًا عند الرأس بحلقة حديد يتدلى منها خُطاف (هِلب) وتُعلق به الذبيحة، والتي يُباع منها للزبائن، وما يتَبقىَ منها يَظل مُرابطًا في مَكانه مُعلقًا لليوم التالي، ويَلفُون اللحم بِقِطعة من القُماش الأبيض الخفيف المُبلل بالماء، ومن ثَمَّ يُوضع أسفل اللحم حَلة كبيرة الحَجم مَملوءة بالماء، ومن حِينٍ لآخر يأخذون القُماش من على اللحم ويبللونه بالماء من الحلة مرةً أخرىَ، ثُم يَلفّونَ به اللَحم ثَانيةً خوفًا وحِفاظًا عليها من حَرارة الصيف القائِظ كيلا تتغير رَائِحَتُهَا، ويَسهرون طوال الليل بجوارها بالشارع خَوفًا عليها من السَرِقة أيضًا، وكان أحد الجَزارين بالقرية في العِقد الرابع من العُمر يتمتع بملامح خَشِنة من رأس ضخم كبير أصلع ووجه شديد الحُمرة له عينان جاحظتان ورقبة مُمتلئة مُنتفخة الأوداج وله صوت جَهُورِي أجَش وتميل إلى الطول بِنيته الضَخمة، عَريض المَنكبين عَظيم البطن التي تتدلىَ أمامهُ، عِلاوة على كونه عَصبي المِزاج، وعند حلول أول الظلام كان يجلس بجوار (السِبية) ثم يَمْدُد جَسدهُ ويَغُطُّ في سُباتٍ عَميق مُتكئًا على ذِراعه ساندًا خَده على كَف يَدهُ، ويتصاعد من أنفه صوتٌ عالٍ من موسيقىَ نشاز، حيث ما تزال حركة أقدام الناس ذهابًا وإيابًا، وكما لو كانت تلك الأقدام تقوم بِمَهمة الحِراسة، ومن ثَمَ يستيقظ بعد هُدوء الحركة لكي يُشعل مَوقد الفحم ويضع عليه إبريق الشاي وبجواره الجَوزة بالغاب (الأرجيلة) فَيُشعل حِجَارة المِعَسل واحدًا تلو الآخر بالسَهرة ويَظل هكذا يُدخن ويتناول الشاي الأسود مثل الحِبر فيساعده على اليقظة والانتباه، إلا أن أحد الأطفال الأشقياء ومعه عِصابة من رِفاق دَربَهُ في الشَغب والشَقاوة فَكروُا مَليًا في هذا الذي يَغُطُّ في سُباتٍ عَميق وأرادوا من أول الليل أن يُزعجوه ويَقُضُوا مَضْجَعهُ!!، فأشار عليهم كَبيرهُم بِقَصف جَبهة المعلم بالصواريخ التُرابية!!! أما عن آلية الصاروخ التُرابي وكيف يعمل، فهو ما يتسنى لكل واحدٍ منهم أن يَملأ الكُم اليَمين لجلبابه بِكمية كَبيرة من التُراب ويغلق عَليها كُفوف يده اليُمنىَ على طَرف الكُم، ومن ثَم يقوم بِثني ذراعة باتجاه صدره علىَ شكل زاوية قائمة، ويَمشون خَلف بَعضهم حَثيثًا في شكل طابور، وعندما يقتربون من الهَدف يقوم القائد باسِطًا ذِراعَه بِكل قُوةٍ فاتحًا كفوفه قاذفًا ما احتواه الكُم من صاروخ التُراب باتجاه السِبية والأسد النائم بجوارها، ويفعل الباقون مثله تِباعًا وعلى التوالي بتسديد وابلٍ من التُراب، ومن ثَمَ يلوذون بالفرار بِسُرعة البَرق.
وبالفعل قاموا بتنفيذ المَهَمة على أكمل وجه فاستيقظ المعلم، وهو في حالة من الهَياج الشَديد يَهذي بالشتائم والسُباب والوعد والوعيد، لكن بعد أن لاذوا جميعًا بالفرار بدروب القرية المختلفة، وقد كان لحظي العاثر أن مَرَرت عَقِبْ الهجوم الإرهابي مُباشرةً قادمًا من ناحية الدكاكين التي تسبق الجزار، حيث كُنتُ أشتري بعض الحاجِيات مُتخذًا طريق عَودتي لبيتنَا، وحيثُ أني لم أكُن طِفلًا من أمثال هؤلاء الأشقياء لا شكلًا ولا مَوضوعًا ولا قَلبًا ولا قَالَبًا، ولم أمَارِس في حَياتي طُفولة مُشَاغِبة، وكان عُمري لا يتجاوز حينئذٍ الثماني سنوات، ثِيابي نَظيفة أرتدي بقدميَّ نِعالاً نَظيفة، ومررت من أمام الأسد لحظة هَياجَهُ، وإذا به يُمسك بِكِلتا يديَّ الصغيرتين من المِعصم بيده اليُمنى كمثل يد الجلاد وبيده اليُسرى سِكينًا طويلًا كالسَيف؛ صارخًا في وجهى قائلًا: أنت زعيم العِصابة وأنتَ مَن حرَّض الأولاد الأسافل لكي يقذفُوا التُراب، وتمشي بهدوء وبراءةُ الأطفالِ في عَينيكْ!! ، ولِدَهشتي لم أفهم ما يَقُوله ولم أعرف ماذا حدث؟!! سِوىَ أن هُناكَ ثَمة آثار غُبارٍ بالهواء استنشقتهُ، ولكن كَم الرُعب الذي اعتَرَاني لا أنساهُ مَا دُمتُ حَيًا فَصَرختُ من أعمَاقيِ، وقلتُ له وأنا أرتَعِد من الخَوف والله مِش عارف والله مِش عارف بتقول إيه يا معلم والله أنا مش عارف بتقول إيه، فقال تعال تعال وجَذبني بعُنف باتِجَاه (السِبية) وهو يقول لي سأعَلقُك هُنا حتى تقول من هُم أولاد الأسافل الذين قَذفوا التراب عليَّ وعلى اللحم، فَصَرَخْتُ وأنا أبكي وأقولُ لهُ لا أعرِف ولا أعرِف عما تتحدث، وأثناء تلك الثواني المُرعبة التي مَرت كَدهور شاهدتُ عَميِ يقف على مَقْرُبةٍ مِنا فَصرخت مُناديًا إياهُ بأعلى صوتي: الحقني يا عمي الشيخ عبد الحميد الحقني يا عمي.. الراجل حيموتني! فأسرع عَميِ باتجَاهِنا قائلًا له خَبر إيه يا معَلم؟!  فرد عليه إن هذا الولد زعيم عِصابة صواريخ التُراب!!! فَنظَرَ لهُ عمي مُستهجنًا ما يقوله مُستنكرًا فِعلتَهُ الشَنعاء ثُمَ قَالَ له غَاضبًا صَارخًا بوجههِ اتركهُ اتركهُ بَقولك، وخلصني من يده وضَمني نَاحيتهُ وقال له أنت تَعرف مَن هذا الطِفل؟! إنه ابن أخي المرحوم الشيخ عاطف ولتنظر إلى ثِيابه وماذا يَرتدي بقدميه هل هو مثل الأطفال الأشقياء! عيب عليك يا رَجُل أفزعت الطِفل البَريء، وإذا بالمِعَلم ينظُر تِجاهي ويقول رحم الله أباك الأستاذ عاطف المُربي الفاضل، ووضع يَده الغَليظة على رأسي مَسح بها على شَعري مُؤَمِّلًا أن يأخُذ حَسَنات بعدد الشَعر الذي وقعت تحت يده، وربَّت على كَتِفي وقال لي: مَعلشي أنا آسف يا ابني ولا أقصد واللهِ، فأخذني عمي إلى بيته وطلب من زوجة عمي أن تصنع لي كُوبًا من عصير الليمون فَشَرِبتهُ وأنا انتفض وأشهق وقال لي: لا بأس يا حبيبي اذهب للبيت ولا تَقْصُصْ مَا حدث عَلَى إِخْوَتِكَ، فلقد أخذت لك حَقك وجَعلته يعتذر عمّا بَدَرَّ منهُ.. إلا أن هذا الموقف الغَريب لا يُبَارِح ذَاكِرتي وأستدعيه فَورًا حين يُسدِد لي أحدٌ بالباطلِ ظنًا سيئًا ظُلمًا وعدوَانًا، وأكونُ حِينَها مُضطرًا للدفاعِ عن نفسي حتىَ يُرفَعَ الظُلمُ عَني، وبعد براءتي أستحضر طَعم كُوب عصير الليمون الذى أنعَش الدِماء بِالعُرُوق… وكأني أسمَع وأشَاهِد صَرِير القلم وهو يُكرر كِتابة مثل هذا الظَنّ بي من حينٍ لآخر…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.