سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

النهب والقمع وضرورة القضاء عليهما

ستالين سليمان-

تلازم في دول الشرق الأوسط تاريخياً عاملان متوازيان وجود أحدهم يقتضي بالضرورة وجود الآخر، النهب والقمع عاملان طالما استخدمها حكام دول الشرق الأوسط كأداة لاستمرار هيمنتهم على السلطة، ومن ضمن الدول التي نتحدث عنها سوريا، حيث أن الشعب السوري وعلى مدى عقود طوال يتعرض لسياسة ترتكز بشكل أساسي على العاملين آنفي الذكر.
نعتقد بأن مصطلح النهب هو مصطلح معروف، حيث يعني تعرض الملايين من الناس لنهب مبرمج لصالح قلة قليلة لا يملكون أي امتيازات سوى الثروة، تلك الثروة التي تم جمعها استغلالاً وفساداً على حساب دم وعرق الغالبية العظمى من الشعب، هذا النهب يعتبر نهباً (شرعياً) بالنسبة للناهبين وذلك لأنه يتم بناءً على قوانين وتشريعات تسنها السلطات خدمةً لمصالحها، لقد أصبح الناهبون أنفسهم هم من يملكون زمام الأمور في السلطة.
إن استمرار عملية النهب يقتضي وجود شرطي يحمي هذه العملية، لذلك كان لا بد من العامل الثاني ألا وهو القمع، فقد شهدت سوريا منذ الخمسينيات وتحديداً 1958 مستوى عالياً من القمع لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا، والقمع كتعريف مبسط يمكن أن نقول بأنه كم للأفواه (بالرغم من أن تعريفه أعقد من ذلك)، وتجلى هذا القمع بشكل رئيسي في شل الحركة السياسية وذلك عن طريق منع تشكيل الأحزاب السياسية إلا الموالية وملاحقة كل من يتعامل بالسياسة.
هذا الواقع دفع بغالبية الناس إلى نبذ السياسة والعمل السياسي، وهذه هي ردة الفعل المنطقية، ولكن ما يجب التركيز عليه هو أن الناهبين أنفسهم يمارسون نوعاً من أنواع السياسة، سياسة النهب والإفقار والتجويع، كما أنهم بالوقت نفسه ينتمون إلى بيئة واحدة بالرغم من اختلافهم الظاهري وتوزعهم بين كيانات تبدو أنها مختلفة ومتناحرة، إن اختلاف هؤلاء وتناحرهم يكون فقط اختلافاً على تقاسم الحصص المنهوبة إلا أنهم متفقون على النهب.
من جهة أخرى لا يمكننا مواجهة سياسة النهب التي تُمارس ضدنا إلا من خلال ممارسة سياسة تعبر عن مصالحنا كمنهوبين، إن ممارسة العمل السياسي لا تكون نتاج رغبة شخصية أو حباً بالعمل في مجال السياسة في أكثر الأحيان، بل إن العمل السياسي يفرض نفسه علينا فرضاً عندما تصل سياستهم لمرحلة القضاء علينا ككائنات حية، يفرض نفسه علينا عندما يكون استمرار الواقع على ما هو عليه يعني فناء البشرية حكماً.
 كما أن العمل العشوائي واللغو في المجال السياسي لا يمكنه أن يوصلنا إلى النتائج المرجوة، ببساطة لأنه لا يتجاوز حد الثرثرة ولا يمكن تسميته بالسياسة، بل إن أحد أهم العوامل الضرورية في المجال السياسي هو التنظيم والالتفاف حول برامج تعبر عن مصالحنا كطبقة منهوبة، ويمكننا أن نأخذ ما جرى في سوريا عام 2011 مثالاً واقعياً على هذا الكلام، حيث أن غياب التنظيم وغياب البرامج الحقيقية سمح باختراق الحراك الجماهيري وتوجيهه بعكس أهدافه الحقيقية ووضعه في خدمة أعدائه مباشرة.
 ولأن السياسة مصالح فإن مصلحتنا كطبقة منهوبة تكمن في أن ننظم صفوفنا كي ندفع بمصالحنا إلى الأمام، وإن ميدان العمل السياسي هو ليس حقل ألغام كما يحاولون تصويره لنا، بل إنه الساحة الوحيدة للنضال دفاعاً عن أنفسنا وعن مستقبلنا، وإن العمل السياسي المنظم والقائم على أساس برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي متكامل يفضي بالضرورة إلى انتزاع الحقوق المسلوبة، كما أن عامل القمع آنف الذكر نفسه هو خير دليل على هذا الكلام حيث أن قمع الشارع وتضييق الحريات السياسية ليس سوى تعبيراً عن خوف السلطات من الناس ومن خروجهم بمظاهرات، لذلك تلجأ السلطات إلى عامل القمع في محاولة لإسكات صوت المنهوبين لكن في النهاية الشعب هو الذي سينتصر.
من جانب آخر الاقتناع بأن العمل السياسي لا يؤدي إلا إلى الخراب هو ذاته ممارسة عمل سياسي، وهذه السياسة تخدم الناهبين وتفرش لهم الطريق أمام الاستمرار بعملية النهب والاستغلال دون أن يحسبوا حساباً للشعب وكلمته. لذلك فإن طريق الخلاص مما نحن عليه الآن يمر حكماً من خلال تنظيم صفوفنا على أساس برامج حقيقية تعبر عن ذاتنا القائمة على أساس إعادة توزيع الثروة لصالح المنهوبين وعامة الشعب، ولا بد من برامج تمكننا من الانتفاض واستلام دفة القيادة وتوجيه الشراع وفقاً لمصالح الأكثرية الساحقة، وانتزاع الراية من تلك الحفنة التي تتناسب درجة رفاهيتها طرداً مع درجة بؤسنا وإفقارنا حيث أن المنهوبين بانتفاضتهم لا يخسرون شيئاً سوى أغلالهم، تلك الأغلال التي تكبلهم وتمنعهم من الصراخ تعبيراً عن أوجاعهم وخدمة لأعدائهم الناهبين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.