No Result
View All Result
د. عمر بن ناصر حبيب (دكتور محاضر. جامعة سرت)-
بعد أن غادر مكتبه تتقاذفه كلماتٌ غليظة كانت قد أثخنت مشاعره، حملت هذه المرّة تحذيرًا مضمّخًا بوعيد من رئيس تحرير الجريدة، التي يقتات منها خبزه اليومي.. هام على وجهه في شوارع المدينة الباهتة، يعتصره الألم، ويحيط به الأمل، فأحزانه ما انفكّت أعباءً ثقيلة تماهت بظلّه.
بدت نظراته حائرة ضائعة يسكنها وهجٌ خافتٌ حينًا، وألقٌ حالم حينًا آخر.. يحملق في البيوت والبنايات البعيدة، والنوافذ المضاءة، والأسطح العامرة بجدائل الملابس المسافرة مع النسمات. خطواته متردّدة وئيدة تجدّف في الطّين والوحل، فتضيع معها اتّجاهات الآليات والمارّة.
اشتمّ رائحةً شهيّةً عانقت نسمةً هاربةً مرت إليه من الشاطئ القريب، عندها انفلتت خطواته الشّرهة مسرعةً نحو الماء والأمواج…
جلس على صخرة واهدة مفردًا أوراقه، يتفرّس سطور مقالته الضاجّة بالرفض واللاءات، يراجع النّص كلمةً.. كلمةً، وفكرةً.. فكرةً، وما إن انكسر ظلّه حتى التلاشي، يتسامى منفصلاً عن ذاته، وطفق يعيد صياغة هاته المقالة المرفوضة عن طائر الماء، كما يتراءى له الواقع تمامًا في عرض البحر وبرّه…
أقبل إليه طائرًا كالسهم يمدّ منقاره الطّويل إلى الأمام، ويدفع بساقيه الرّشيقتين مستقيمتين إلى ما وراءه، ويجدّف في الفضاء قويّاً بجناحيه الواسعين، وريشه الوارف، وذيله المدوّر الصّغير، ملقيًا بعنقه الطّويل على راحة كتفه الخجول، ثم سكن واقفًا متأمّلاً، لوقت فسيح، ثغور الماء ورفرفتها.. لقد عرفه بلونه الرّمادي، إنّها ضالّته: “مالك الحزين”.. وعندما أخذ يطفو سابحًا فوق انحناءات الشطآن، اعتدل مراقبًا سلوكاته ببصيرة وقّادة وعمق تفكير. رصد صمته وسكونه الطّويل/ مراقبته لطرائده/ قوّة افتراساته/ دقّة استشعاره بالأنواء والعواصف/… والقلم بين أصابعه يتحفّز مرتعشًا لرسم الكلمات..
“مقالتك عبثيّة، متطرّفة، بعيدة عن غور الحقيقة،… ليست صالحة للنشر. أعد صياغتها كلّيّاً، بعيدًا عن أنسنة السلوكات، والكلمات المفخّخة،…”.
شرع لاهثًا يصفّ ألوانًا جديدة على كلمات مقالته بحرص شديد، ويجرّدها من عبارات تراثيّة مستعارة، وأفكار معلّبة جاهزة، فيما اتّهامات رئيسه؛ ألسنة من النّار تطارد هدوءه، وتحرق أجنحة روحه الوثّابة.
وفي اللّحظة التي وثب فيها الطّائر الحزين هاربًا إلى أعلى الشّجرة السّامقة القريبة، كان الصّحفي الشّاب قد أغمض آخر كلمات مقالته في وجه سحائب الرّيح الدّوّارة القادمة نحوه.
في طريق عودته إلى البيت مساءً، أعاد قراءتها بأناة؛ فرأى فيها فصلاً من سيرةٍ مبهمة لإنسان أدمن الحَرْف والأحلام والأحزان، عندها قرّر أن يكون عنوان مقالته الجديدة السّابقة: “الحزين مالك”.
No Result
View All Result