دوار أردوغان وحديقة الأمة العثمانية ودوار غصن الزيتون؛ أسماء تركية لعثمنة المناطق المحتلة في شمال سوريا، إضافة إلى عمليات تغيير ديمغرافي عدة منها فرض اللغة التركية وإرغام الأهالي على التعامل بالليرة التركية ومشاريع عثمانية عدة؛ لتتريك شمال سوريا وتحويلها إلى تركيا مصغرة..
تواصل تركيا انتهاك السيادة السورية وتوفد المزيد من المسؤولين إلى المدن المحتلة بالتزامن مع تقارير توثق عمليات تتريك واسعة وعمليات تهجير وتغيير ديمغرافي تنفذها الميليشيات المسلحة التي تدفع تركيا رواتب قادتها وعناصرها وكانوا يقتالون سابقاً النظام السوري باسم الجيش الحر قبل أن يغير أردوغان عقيدتهم إلى قتال عدوه التاريخي الكرد والانخراط في صراعاته الخارجية كمرتزقة في ليبيا وأذربيجان وأفغانستان.
وتكشف الاستراتيجية التركية على مختلف الأصعدة أن تعزز فكرة جعل شمال سوريا “تركيا صغيرة”، عبر نسخ هيكلها السياسي وبنشر الهوية والثقافة وعمليات التتريك الواسعة والعميقة في ظل صمت عربي وصمت من حكومة دمشق. كما حذر العديد من الأصوات الوطنية السورية، بما في ذلك مسؤولو الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية وقوات سوريا الديمقراطية، مراراً من أن تركيا تسعى لتحويل المدن التي تحلتها شمال سوريا إلى نموذج احتلالها لقبرص عبر تعديل تركيا الديناميكيات الاجتماعية في شمال سوريا تدريجياً، مع استغلال الدين الذي تسخره تركيا لصالح أهدافها وجعله يحتل مكانة أكبر في نظامها التعليمي ومن خلال بناء مساجد جديدة واتخاذها كوسيلة تتريك وتوجيه الناس إضافة لاستغلال حاجة السكان للخدمات من مشافي وكهرباء ومياه واستخدامهم كسلاح لغزو هذه المناطق.
من خلفه شعار الدولة العثمانية وعلى يساره صورة الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وعلى يمينه صورة أخرى لمؤسس الجمهورية التركية، مصطفى كمال أتاتورك. ولولا وجود علم الثورة السورية إلى جانب العلم التركي وعبوة المياه البلاستيكية المصنوعة في تركيا، لبدت الصورة لموظف حكومي تركي.
“أبو عمشة”، القائد العسكري في ريف حلب، الذي يتوسّط الصورة التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في بداية أيار الماضي، أثارت الجدل مرات عدة حول تبنّيه المظاهر التركية على حساب إبراز الهوية السورية.
يقود محمد الجاسم، المعروف بـ “أبو عمشة”، فصيل “سليمان شاه” الذي أُسس عام 2016، وينضوي تحت راية “الجيش الوطني” المدعوم تركيًا، ويتركز نشاط الفصيل في مدينة عفرين بريف حلب الشمالي حيث يتهم بارتكاب الكثير من الانتهاكات التي ترتقي لجرائم حرب، أسوة بغيره من الفصائل التي أصبح الخطف والابتزاز والاستيلاء مصدراً جديداً للتمويل بالنسبة لهم.
صورة “أبو عمشة” هي جزء من صورة شاملة عن واقع المناطق الشمالية لمحافظة حلب، والتي ظهر فيها الطابع التركي ثقافيًا ومدنيًا وعسكريًا وخدميًا خلال العامين الماضيين.
حديقة “الأمّة العثمانية”، ساحة “رجب طيّب أردوغان”، مدرسة “بولانت آل بيرق”، وغيرها من الأسماء كرّست الصبغة التركية في مدن وبلدات وقرى ريف حلب، أما على المستوى المدني والخدمي، فبات “السيستم التركي” جزءًا من معاملات السوريين في المنطقة، واللغة التركية “إلزامية” يدرسها جزء من الطلاب في المدارس.
يترك ذلك الواقع تساؤلات حول الدافع وراء تعميم الطابع التركي في المنطقة، والجهة المسؤولة عنه، كونه يعدّ مبررًا لمخاوف جزء من السوريين ومبعث استقرار لآخرين.
المجالس المحلية في ريف حلب بطابع تركي
بعد قرابة عامين على سيطرة فصائل المعارضة المدعومة من تركيا على ريف حلب الشمالي، بدأت المنطقة تأخذ طابعًا تركيًا على المستويات المدنية والخدمية.
وكانت تركيا قد تدخلت في ريفي حلب الشمالي والشرقي عسكريًا، في شهر آب 2018، حين أطلقت عملية تحت مسمى “درع الفرات”، و”غصن الزيتون” وتمكنت من السيطرة على مدن رئيسية بريف حلب/ اعزاز، جرابلس، الباب، عفرين/ وباتت هذه المدن خاضعة عسكرياً، أمنياً، إدارياً، لها وتم ربطها بالولايات التركية/ عينتاب، هاتاي.
وتركز الاهتمام التركي عقب سيطرته على المنطقة، على الجانب العسكري، حيث دعمت تركيا الفصائل الخاضعة لها لتشكيل “الجيش الوطني”، إضافة إلى دعم الجانب المدني عبر دعم تشكيل المجالس المحلية في مناطق ريف حلب، والتي لعبت دورًا خدميًا كبيرًا في تأمين متطلبات الأهالي في مجالات مختلفة، مثل الإغاثة والصحة والتعليم، إضافة إلى تطوير البنية التحتية، ما مهد الطريق لدخول مجالات الاستثمار بمشاريع اقتصادية كبيرة ونشاط اقتصادي.
وتحولت هذه المجالس إلى ما يشبه التجمع الحكومي الذي يشرف على شؤون المنطقة الجغرافية التي يوجد بها المجلس (مثل المجلس المحلي في الباب أو اعزاز أو جرابلس وغيرها)، وتكون هذه المجالس مدعومة وتدار من قبل الولايات التركية القريبة من الحدود السورية، مثل ولاية كلّس وغازي عينتاب، في ظل غياب أي دور للحكومة السورية المؤقتة.
مصدر مقرب من المجالس المحلية، طلب عدم ذكر اسمه، أوضح أن المجالس المحلية مرتبطة من الناحية السياسية بالحكومة المؤقتة وتعتبر تابعة لها، لكن لا توجد آلية ناظمة للتبعية تنظم العلاقة بين الطرفين، إذ يملك كل مجلس مشاريعه الخاصة التي ينفذها بدعم تركي، دون وجود دور فعليّ للحكومة المؤقتة.
وتتسم المجالس المحلية بالاستقلالية، ويغيب التنسيق فيما بينها، إذ ينفذ كل مجلس المشاريع المناسبة لمنطقته بحسب دراسة واقع المنطقة، وذلك رغم وجود مشاريع موحدة بين المجالس كافة، كونها تستهدف المنطقة كاملة، مثل مشروع التعليم والشرطة.
أموال المجالس في بنوك تركيا
عملت تركيا خلال العامين الماضيين على ربط المجالس المحلية في ريف حلب الشمالي بها عبر دعمها وتوفير الوسائل التي تساعدها على تقديم خدماتها، إلى جانب صرف رواتب الموظفين ونفقات المشاريع عن طريق البنوك التركية، التي توضع بها الأموال الخاصة بكل مجلس.
وشرح مصدر مطلع على عمل المجالس، طلب عدم ذكر اسمه، لعنب بلدي، آلية تنفيذ المجالس في المنطقة لأي مشروع تريد القيام به، موضحًا وجود نوعين من المشاريع التي يتم تنفيذها في المنطقة، الأول مشاريع استراتيجية بدعم وتنفيذ مباشر من تركيا، مثل الكهرباء والماء، على أن يتم دفع الجباية لها، إضافة إلى تقديمها خدمات دون أجر مثل حاويات القمامة وإقامة الحدائق.
أما النوع الثاني من المشاريع فهي التي تقوم بها المجالس، إذ يملك كل مجلس محلي مصادر التمويل الخاصة به من الجباية (ضرائب ومواصلات ومعابر وغيرها)، وتوضع هذه الأموال في بنك بتركيا باسم المجلس تحت إشراف الولاية التركية.
وأوضح المصدر أن المجلس يقدم خطة عمل ودراسة حول المشاريع التي يريد تنفيذها في منطقته وقيمة هذه المشاريع إلى الولاية التركية، التي تقوم بدورها بتحويل الأموال عن طريق مؤسسة البريد التركي “PTT” في حال تمت الموافقة عليها، بعد التأكد من أنّ هذه المشاريع غير وهمية وأنها ستنفذ وفق المخطط، معتبرًا أن ذلك يمنع السرقة والاختلاس من قبل ضعاف النفوس.
كما تقوم الولاية التركية بتحويل رواتب الموظفين، المعروف عددهم لديها، وقيمة المشاريع شهريًا، بحسب المصدر، الذي أشار إلى أن الراتب يكون بالليرة التركية ومحددًا وفق معايير تركية وليس وفق رئيس المجلس.
وحول الدور التركي في هذه المشاريع، أكد المصدر أن تركيا تلعب، من خلال التنسيق الإداري بينها وبين المجالس، دورًا إشرافيًا ومدققًا ومطلعًا على التنفيذ ولا تتدخل باسم المشروع، ولا تتدخل إلا في الحالات التي تمس أمن تركيا.
وافتتحت السلطات التركية في بعض مناطق ريف حلب مراكز لمؤسسة البريد التركي (PTT)، وأجبرت المنظمات العاملة فيها، المحلية والأجنبية، على تحويل الأموال للداخل السوري عبر هذه الخدمة، كما منحت الموظفين في تلك المناطق، من معلمين وشرطة ومجالس وأطباء وخطباء، بطاقات مصرفية لسحب رواتبهم من مراكز “PTT”.
واتجهت تركيا مؤخرًا إلى تقييد حركة الأموال الداخلة إلى سوريا، وضبطها من خلال نظام الحوالات التركي، بعد أن كانت تتم عبر صرافي السوق السوداء.
أسماء المشاريع.. من يقترحها؟
نهاية شهر أيار الماضي أعلن المجلس المحلي في اعزاز عن إعادة افتتاح إحدى الحدائق العامة في المدينة، مطلقًا عليها اسم “حديقة الأمة العثمانية”، الأمر الذي لاقى جدلًا كبيرًا بين السوريين وأعاد الحديث عن تسميات عثمانية عدة أطلقت مؤخرًا على أماكن ومؤسسات في المنطقة، وسط اتهامات لتركيا بمحاولة “تتريك” المنطقة، وللمسؤولين المحليين بالتبعية المباشرة لتركيا.
المجلس التركماني: هذا وفاء وعرفان للأتراك
يعتمد “المجلس التركماني السوري” (أُسس عام 2013) في خطابه على ذكر المسمى القديم لمدينة الراعي بريف حلب الشمالي، وهو “جوبان بيه”، ويعتبر أن الأمر لا علاقة له بإضفاء طابع تركي على المنطقة، بل هو استعادة الاسم الحقيقي للبلدة الحدودية مع تركيا، والتي غيرت الحكومة السورية في عهد الأسد اسمها إلى “الراعي”، كغيرها من قرى وبلدات المنطقة.
مرافق.. فصائل.. مدارس.. ملامح تركية بارزة
أسهمت تركيا في إقامة بعض المشاريع الخدمية والتعليمية في المنطقة، الأمر الذي انعكس بشكل إيجابي على الواقع التعليمي والخدمي والطبي.
فقد تمّ افتتاح فروع لبعض الجامعات التركية الحكومية في ريف حلب، ومن بينها جامعتا حران وغازي عنتاب، اللتان فتحتا أبوابهما أمام الطلاب في العام الدراسي الحالي.
وعلى الصعيد الطبي وسعت الحكومة التركية عن طريق وزارة صحتها بعض المستشفيات في المنطقة ورممت عدة مراكز صحية، فضلًا عن إنشاء أخرى جديدة، وافتتحت مشفى في مدينة الباب، الذي يعتبر الأكبر والأكثر تطورًا في المنطقة، وآخر في مدينة الراعي.
على المستوى الخدمي أقامت تركيا ستة أفرع للبريد الحكومي التركي “PTT” في مدن عفرين واعزاز ومارع وجرابلس والباب، وبلدة الراعي.
كما افتتحت شركة الاتصالات التركية “تورك تيليكوم” أول مركز خدمات لها في ريف حلب الشمالي، في تموز 2018، بالإضافة إلى تدعيم أبراج الاتصالات الموجودة في مناطق الباب واعزاز بشبكة الانترنت السريعة “G 4.5”.
المشاريع التركية، إلى جانب مجموعة من المشاريع التي نفذتها المجالس المحلية في المنطقة بدعم تركي، أبرزت الملامح التركية في المنطقة وجعلتها سمة عامة، عبر بعض الأسماء المطلقة عليها.
دوار أردوغان وحديقة الأمة العثمانية
اتخذت بعض الشوارع والساحات الرئيسية بعد سيطرة الفصائل العسكرية، المدعومة تركيًا، أسماء جديدة، ومنها دوار “كاوا الحداد” في مدينة عفرين، والذي أصبح اسمه دوار “غصن الزيتون” (في إشارة إلى العملية العسكرية التركية التي تحمل الاسم ذاته)، ودوار ساحة “مبنى السرايا” وسط المدينة، الذي أصبح اسمه ساحة “رجب طيب أردوغان”.
وفي مدينة اعزاز تم تغيير اسم حديقة “الشهيد عمار الداديخي” بعد ترميمها، في نهاية شهر أيار الماضي، إذ أطلقت ولاية كلّس جنوبي تركيا على الحديقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى عشرينيات القرن الماضي، اسم حديقة “الأمة العثمانية”، بحسب ما ذكره المكتب الإعلامي في اعزاز.
كما أطلق اسم “بولانت آل بيرق” على مدرسة ابتدائية في مدينة الباب، وهو اسم ضابط تركي قتل خلال العمليات العسكرية ضد داعش في المدينة شرقي حلب.






