سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الطريق إلى الوحدة الوطنية

دجوار أحمد آغا-

ربما من حقنا أن نتساءل: إذا كان هناك شبه إجماع من كافة الأحزاب والقوى السياسية والمجتمعية والعسكرية على الأهداف العليا “وحدة الصف الكردي” التي يسعى الكرد (على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية وانتماءاتهم الإقليمية) إلى تحقيقها. وإذا كان هناك اتفاق شبه تام على عدد معين من الصعوبات والمعوقات التي تمنع الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف، وإذا تم قطع مرحلتين من الحوار وتم التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة، وهي لب الموضوع، فلماذا إذن لا تُعقد الجولة الثالثة من الحوار والتي لم يبقَ لها سوى وضع النقاط على الحروف والخروج بمخرجات تُفرح شعبنا، طالما تم توحيد الرؤية السياسية في الجولة السابقة منذ أكثر من سنة تقريباً!
السؤال الأكثر إلحاحاً على العقل الكردي هو: تُرى أين يكمن الخلل؟ ولماذا لم نراكم تجاربنا فوق بعضها البعض مرحلة بعد أخرى لنصل إلى بناء حضاري وخطة عمل مشترك تستمد قوتها من هذه التجارب والعبر؟ ولماذا أيضاً فقدت هذه المطالب والأهداف العليا تاريخيتها وأصبحت بالنسبة إلى مثقفينا وساستنا مجرد إعادة ترتيب للخلافات والنقائض فيما بينهم، كلما فشلت صيغة يتم استبدالها بصيغة أخرى وكأننا حقل تجارب؟ لماذا يتحدث مثقفونا وساستنا عبر بعضهم البعض وليس إلى بعضهم البعض؟
كل الثورات والانتفاضات التي قام بها شعبنا الكردي باءت بالفشل وانتهت إلى خسارتنا وضياع وطننا إلى جانب قتل وتشريد وتهجير عشرات ومئات الآلاف من أبناء شعبنا، إضافة إلى هدم وتدمير مئات القرى والبلدات والمدن، هذه هي الحقيقة بعينها لماذا نختبئ منها وننكرها؟ لماذا لا زلنا نراهن على الأعداء الذين قتلوا وعذبوا آباءنا وأجدادنا؟ لماذا لا نريد أن نفهم ما جرى ونستفيد ونأخذ الدروس والعبر منها؟
أعتقد بأنه هناك أكثر من سبب رئيسي لهذا الخلل، فالأمر لا ينحصر في الفشل العسكري ولا العجز الحضاري ولا التمزق السياسي (انشقاقات وانقسامات الأحزاب السياسية) أو أنظمة الحكم التسلطية، إنما الأمر أعمق من ذلك. هناك حقيقة واضحة وجلية للعيان ألا وهي أن الشرق الأوسط عموماً يمثل نظاماً سياسياً وحضارياً مخترقاً اختراقاً كاملاً من جانب الدول الإمبريالية التي تهيمن على العالم، بحيث حولت القوى الوطنية في هذه المنطقة إلى شرذمات تتلاعب بها كيفما شاءت مانعة اندماجها في كيان سياسي متناسق مستقل قابل للحياة بعيداً عن هيمنتها، وذلك من خلال استمرارية ربط الدول الإمبريالية المتنافسة على منطقتنا لهذه القوى بنفسها واستخدامها لتحقيق مآربها ومصالحها في نهب خيرات المنطقة والاستيلاء عليها، ما يجري الآن في لبنان وليبيا واليمن وسوريا والعراق وأفغانستان… نموذجاً.
إن مجتمعات الشرق الأوسط عموماً والمجتمع الكردي خصوصاً تعيش حالة من التبعية شبه المطلقة للإمبريالية وتربطها علاقات غير متكافئة مع مراكز القرار الإقليمي والعالمي، وبالتالي؛ فإن أي توجه نحو تحقيق الأهداف العليا ليس فقط للكرد وإنما لمجمل شعوب الشرق الأوسط؛ من شأنه أن يهدد المصالح الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية للدول الإمبريالية، الأمر الذي يدفع بها إلى مقاومة هذا التوجه في السر والعلن على حد سواء (مسألة الاستفتاء في إقليم كردستان – العراق نموذجاً).
كيف يمكننا أن نفسر حدوث كل هذه الهزائم والانكسارات المتكررة في تاريخ شعبنا الكردي؟ ولماذا لم تنتصر ثورة واحدة على الأقل في الحفاظ على حقوق هذا الشعب في الحياة بحرية وكرامة على أرضه؟ هذه الثورات والانتفاضات التي انتهت في نهاية المطاف بالعمل على حدة في كل جزء من أجزاء الوطن الأم المقسم إلى أربعة أجزاء وأصبح لكل جزء خصوصية ترتبط به وبنظام الحكم المسلط والمسيطر عليه. هنا نتساءل: لماذا تأخر الكرد وتقدمت الأمم الأخرى كالعرب والفرس والترك؟ بالتأكيد فإن معظم الإجابات ستكون كالتالي: لأننا غير مستقلين ومحتلين وغير متحدين ومتخلفين… إلخ.
حسناً فالسبب الرئيسي والأساسي إذن يكمن فينا نحن وليس خارجاً عن إرادتنا، لماذا إذن لسنا متحدين؟ لأننا لسنا مستقلين في قراراتنا ولا زلنا أتباعاً لأتباع، ننتظر من الغريب أن يأتي ويضع أيدينا في أيدي بعض كما فعلت مادلين أولبرايت اليهودية وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في عام 1998 مع إخوتنا في باشور كردستان.
هم من أهمل مبادرة القائد مظلوم عبدي، وعندما أقول هم أقصد بذلك طرفي الحوار الكردي الكردي، أحزاب الوحدة الوطنية والمجلس الوطني الكردي، هذه المبادرة التي هي فرصة ذهبية لشعبنا من أجل توحيد الجهود والقوى للوصول إلى مبتغانا في الحصول على الاعتراف الدولي والإقليمي بحقوق شعبنا.
علماً بأن الكل يعلم من هو مظلوم عبدي وكيف يحظى باحترام وتقدير كبريين لدى سائر أبناء شعبنا الكردي في عموم كردستان ولدى شعوب المنطقة عموماً، بالإضافة إلى الكثير من رؤساء دول العالم الكبرى أصحاب النفوذ والقرار كما وتحظى مبادرته برعاية أمريكية رفيعة المستوى.
لعبة الدولة في الشرق الأوسط تسير بأسلوب مريب، فهي تتبع سياسة فرض الأمر الواقع بضربة سريعة وبالمقابل ترفض أي صيغة للتفاوض بغض النظر عن التغيير في موازين القوى (عمليات الاحتلال التركي ومرتزقته في الشمال السوري نموذجاً)، وإذا اضطرت إلى إجراء مفاوضات لذر الرماد في العيون فهي تجريها عن طريق وسيط أو طرف ثالث ولا تسمح إطلاقاً بإجراء مفاوضات مباشرة لكي تكسب المزيد من الوقت، هذا من طرف. ومن طرف آخر تضعف جميع الأطراف المتحاربة والمتخاصمة من خلال إجبارها على تقديم التنازلات وإجراء المساومات ريثما تجهز الترتيبات النهائية التي تلائم وتناسب مقاس مصالحها في المنطقة، كما أنها دائماً ما تسعى للوصول إلى النتائج الصفرية في نهاية المفاوضات بحيث لا يكون هناك غالب ولا مغلوب.
بالمحصلة نصل إلى نتيجة مفادها أن التبعية لأي جهة كانت، سواء إقليمية أو دولية، لن تسمح بتوليد مبادرات داخلية للحل السياسي للأزمات التي نعيشها، فالجهة السياسية المرهونة بطرف ما إقليمي أو دولي لا يمكنها اتخاذ أي قرار استراتيجي لحل هذه المشكلات بشكل جذري، ولن يتم ذلك من دون استقلالية هذه القوى من التبعية.
وللوصول إلى الاستقلالية والتخلص من هذه التبعية لا بد من التركيز بالدرجة الأولى على العوامل الداخلية التي للأسف يتم إهمالها وتجاهلها دوماً لصالح العوامل الخارجية، هنا نتساءل لماذا سمحت القوى الاجتماعية والسياسية الكردية للقوى الإمبريالية والإقليمية بأن تخترقها وتجعل منها تابعة لها ومُسَيرة وفق مشيئتها؟ ألم يكن بمقدور المثقفين والمتنورين والسياسيين الكرد بأن ينظموا مجتمعهم ويحموه من الاختراق؟ أليس من الأجدر بهم الالتفات حول شعبهم ودعمه ومساندته وإعادة تلاحمه وتوحيد صفوفه ليكون المرجعية والأساس الذي يستندون إليه أم أنه أصبح ساحة للصراع وكسب الربح؟ من لديه شعبية أكثر ومن يمتلك أعضاء أكثر!
 للأسف الشديد هذا هو الواقع المعاش حالياً بعيداً عن العواطف والمجاملة وتمسيح الجوخ الذي انتشر بشكل سرطاني في مجتمعنا، أتمنى ألا يُساء فهمي فأنا كنت ولا زلت مع التعلم بلغتي الأم التي هي الأساس ومع ضرورة محاسبة من يخالف القوانين والقرارات التي يصدرها المخالفون أنفسهم، انتشرت في الايام القليلة الماضية على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي أحاديث حول إرسال العديد من المسؤولين في الإدارة الذاتية الديمقراطية لأبنائهم إلى مدارس النظام وإظهار فرحتهم بنجاح أبنائهم، وكأن الطرف الآخر من معادلة الحوار الكردي الكردي يرسلون أبناءهم إلى مدارس الإدارة الذاتية، هذه الإدارة التي دخلت عامها الثامن ولم يعترفوا بها حتى الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.