سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

“بيت الهايكو التونسي” مشروع ثقافي يجمع الشعر بالفنون

الهايكو ياباني بالأساس
 يمكن مقارنة قصيدة الهايكو بالتصوير الزيتي؛ فهي القصيدة التي وجد فيها الشعراء اليابانيون وهم يمارسون تأليفها طوال أكثر من خمسة قرون أداة مناسبة لإنتاج معادل معبر عن تجاربهم. إنها أكثر أشكال الشعر التي بلورتها المواهب اليابانية تركيزاً، ورغم ارتباطها بالثقافة اليابانية فإننا بتنا نشهد اليوم كتابة الهايكو وتنظيم مؤسسات لها في عدة دول حتى عربية، وآخرها تونس التي أنشأت مؤسسة “بيت الهايكو”.
ينطلق “بيت الهايكو التونسي” رسمياً في أنشطته مع بداية شهر أيلول القادم، بعد أن عرف بعض الصعوبات، خاصّة على مستوى التمويل وإيجاد مقرّ إداري لهذه المؤسسة.
و”بيت الهايكو التونسي” هو مشروع ثقافي جديد يُضاف إلى الساحة الفنية التونسية، تم الشروع فيه خلال شهر تشرين الثاني من السنة الماضية بدار الثقافة “ابن رشيق” في العاصمة على يد كل من الشاعرة سنية بن عمار والمسرحي محمد علي العبدلي، وانضم إليهما عدد من الفنانين على غرار المسرحي نزار الكشو والشاعرات سعاد حجري وألفة إسماعيل وألفة كشك بوحديدة وآمال العذيبي وآخرين.
مؤسسة شعرية
 “بيت الهايكو التونسي” لم يكتفِ بهذا القالب الشعري العريق والمختلف، بل مزج بين شعر الهايكو وفنون أخرى، وبعد سنة مرت على إحداث “بيت الهايكو التونسي” اجتمع أخيراً حول هذا المشروع العديد من المثقفين والشعراء والنقاد والمهتمين بالشأن الأدبي والثقافي عموماً والمؤمنين بهذا المشروع الشعري الذي ينهل من شعر الهايكو.
وقد تم في شهر كانون الأول/ ديسمبر من السنة الماضية افتتاح “بيت الهايكو التونسي” في ثوبه الجديد، بالشراكة مع دار الثقافة ابن رشيق في تونس العاصمة وشركة “Africa Accelerator” والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية بتونس.
وتابع الجمهور خلال الافتتاح عرضاً فنياً بعنوان “Haï scéne” عن نص للهايسكيت سنية بن عمار وموسيقى عادل بوعلاق وأداء abin alexander وإخراج نزار الكشو، بالإضافة إلى معرض للصور الفوتوغرافية وآخر في فن الرسم.
وقال محمد علي العبدلي في تصريحات للإعلام إن تسمية “بيت الهايكو التونسي” مستمدة من الثقافة اليابانية، مبيناً أن أدب الهايكو هو صنف من أصناف الشعر الياباني، وازدهر هذا الأدب في القرن السابع عشر بفضل الشاعر المعلّم ماتسو باتشو، ومن أهم رواده يوسا بوسون وكوباياشي إيسا.
ويتميز الهايكو، وفق العبدلي، بكونه عبارة عن بيت شعر واحد، مكون من 17 مقطعا صوتياً باليابانية، ويكتب عادة في ثلاثة أسطر وأحياناً يتجاوز ذلك إلى خمسة أسطر.
ويحاول الهايكست (وهي تسمية تطلق على شاعر الهايكو) من خلال مفردات قليلة التعبير عن مشاعر جياشة وأحاسيس عميقة تحقق عنصر المفاجأة للمتلقي.
وبخصوص مشروع “بيت الهايكو التونسي” ذكر العبدلي أن شعر الهايكو يُعدّ “التقاطة” للحظة آنية تستوجب تيقظ الحواس الخمسة وتفاعلها مع عناصر الطبيعة الخمسة: الماء والهواء والتراب والنار والأثير.
وأضاف أن “بيت الهايكو التونسي” لم يكتف بهذا القالب الشعري الجديد والمختلف عن المعهود منذ القدم، بل مزج بين شعر الهايكو وفنون أخرى كالكوريغراف وخيال الظل والموسيقى والرسم والمسرح وغيرها من الفنون التي تتقاطع معه في الإيجاز والبساطة والتكثيف، في تناسق بديع بين الكلمة والصورة والنوتة الموسيقية، “يتلذذ معها السامع بما يسمع وبما يرى حد الانتشاء، وينتقل عبرها إلى عوالم السحر والجمال”.
وبخصوص الأنشطة التي سيعمل “بيت الهايكو التونسي” على إرسائها قال العبدلي إن الانطلاقة ستكون بتنظيم ورشات تدريبية للعموم لمدة ستة أشهر في تقنيات كتابة الهايكو تتضمن فن الإلقاء والأصوات الحرة واليوغا. وستتوج هذه الورشات بعرض فني في الهايكو مع منح شهادات تخصّص في هذا الاختصاص الفني.
يشهد شعر الهايكو الياباني انتشاراً هاماً في العديد من الأقطار العربية حيث يستميل الكثير من الأقلام التي ترى فيه وسيلة تجديد وتجاوز للأشكال النمطية للشعر المكتوب بالعربية. وهي نظرة يرى الكثير من النقاد أنها قاصرة؛ ذلك أن الهايكو ليس مجرد تجديد في الشكل، وهو مرتبط أساساً بالثقافة اليابانية، وربما يستلهم منه الكثير من الشعراء غير اليابانيين، حيث نجد كثيرين كتبوه مثل جاك كيرواك وغيره.
لكن يبقى هذا النمط الشعري ابن الثقافة اليابانية على خصوصيتها، وابن لغتها ومخيالها وبيئتها. ورغم تأكيد الكثير من النقاد على النجاح الجزئي لعدة تجارب في هذا الشعر مما كتبه غير اليابانيين فإنهم لا يخفون ارتباط هذه القصائد بالبيئة اليابانية وخصوصيتها الكبيرة التي تتجاوز التقطيع الصوتي والشكلي في أسطر ثلاثة إلى طريقة تأمل من خلالها يلتقط الشاعر لحظات شفافة بروح عالية.
قد يتشارك الشعراء في مختلف القارات الشفافية والإحساس العالي، لكن ليس بنفس النظام الصارم الذي يفرضه فن الهايكو.
الأشكال الشعرية التي تشبه الهايكو -ولو شكلياً- كثيرة، نذكر منها في الثقافة الإنجليزية السوناتة وفي العربية الومضة أو قصيدة البيت الواحد. ورغم اشتراك هذه القصائد في بعض الخصوصيات الشكلية إلا أنها لا تشترك في الثقافة نفسها ولا تنطلق من المنطلقات نفسها، وكل منها مستقلة عن الأخرى؛ فالهايكو مثلًا دربة مستمرة لالتقاط لحظة تلاقٍ طبيعية شفافة وساحرة، يظل الشاعر يجرب ويكتب فيما لا يتجاوز نتاج شاعر الهايكو الجيد ثلاث قصائد هامة طيلة تجربته رغم كتابته مئات النصوص.
إن قصر حجم قصيدة الهايكو أغرى الكثيرين بكتابتها معتقدين أن ما يكتبونه حكمة أو التقاط من الطبيعة أو لحظة شفافة هاربة، فيما يغفل هؤلاء جوهر الهايكو ألا وهو التأمل والأخلاق اليابانية.
وكالات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.