سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ممرات عابرة في مأزق التشرذم السوري

لمى الأتاسي (كاتبة سورية)-

ممرات إنسانية عابرة هي عابرة لهمجية النظام ومخلفاته وما اقترفه على مدى عقود من تغيير في سلم الأخلاق العام وتغييب المصلحة العامة في بلد كان يوماً ما جنة الله في الأرض، إدخال القوت خارج معابر النظام هو الاتفاق الذي استطاعت واشنطن أن تنتزعه بصعوبة بالغة من بوتين، الذي قبل بتمرير مساعدات إنسانية للشعب السوري المنهك.
لربما يجب أن نعي كم نحن محظوظون لكوننا نعيش في عصر فيه حق إنقاذ البشر من موت معلن وإبادة جماعية قانون مشرّع دولياً، حيث هناك قوانين دولية عديدة تدعم هذا التوجه الذي يمنع حكومة ما من اقتراف الجرائم بحق شعبها متجاوزاً بهذا السيادات الوطنية.
في الحالة السورية لم يتمكن أحد بعد من إقناع مجلس الأمن بضرورة التدخل كما تم في ليبيا وأماكن أخرى، ورغم وحشية النظام السوري الذي ما زال لا يتوارى عن اعتقال المعارضين، وعن اقتراف أبشع الجرائم بهمجية مطلقة إلا أنه ثمة سبب عميق لا علاقة لمجلس الأمن به يمنع من إنهاء هذا النظام المتهاوي.
في الواقع النظام ضعيف ولا يملك مقومات الاستمرار بإدارة البلاد وتأمين الأمن الحيوي والأمان ولا يملك توفير حتى الكهرباء والماء للشعب الخاضع لسلطته، لكن بغض النظر عن أزمة البديل الوهمية التي تناقشها بعض وسائل الإعلام، لا بد أن نقر بواقعية مؤلمة أن في كل الدول إذا الشعب يوماً أراد شيئاً فلا بد لهذا الأمر أن يتم ولا بد أن يستجيب القدر، السؤال الذي يفرضه الواقع السوري علينا هو هل اتفق السوريون جميعاً بمعزل عن الإرادة الدولية عن ضرورة التخلي عن الأسد ونظامه؟
هناك مقارنة ممكنة ولو من بعيد تتعلق بالمسألة الكاتالونية في إسبانيا، فهناك الوضع متعلق، لا المواطنون جميعاً مقتنعون بإسبانيتهم ولا هم جميعاً مقتنعون بانفصالهم عن إسبانيا، وهذا الواقع متوقف في حالة ما بينَ بين، هذا التردد وهذا اللاحل سببه أن القرار منقسم بين طرفين ولم يصل أحدهم لنسبة تتجاوز السبعين بالمئة من قرار الشعب، هذه النسبة ضرورية لكي يتم اتخاذ قرار ما، والذي سينتصر هو من سيرسم ملامح الواقع الجديد، وفي الحالة الكاتالونية كما في الحالة السورية هذا الواقع اسمه اللاحل.
في الحالة السورية قد ينكر الكثيرون هذا الواقع، لكن عملياً وفي العمق، الشعب السوري لم يتفق على نهاية نظام الأسد وما زال الصراع الاجتماعي السياسي مقنّع ومخفي بين خمسين بالمئة من الشعب يريدون إنهاء هذا النظام ويحقدون لأسباب موضوعية على الأسد ونظامه، وخمسين بالمئة آخرين من هذا الشعب متمسكين بالنظام الحالي رغم كل الظروف الصعبة التي يعيشونها داخل البلاد.
من هم الخمسون بالمئة من الشعب السوري الذين رفضوا التغيير؟ قد يقال إن الذين تمسكوا وما زالوا بالأسد وحكومته هم من الأقليات الدينية وبأغلبية علوية ومسيحية، وهذا خوفاً من إسلامية المعارضة التي يقودها الإخوان المسلمون ونفس ما في الشارع يشبه التوجه السلفي وما شابه من تشدد إسلامي ديني، وبهذا يبرر البعض خوف الأقليات من اضطهاد ما سمي بالأغلبية عبثاً، ولكن إن أحصينا الأقليات فهم لا يكفون وحدهم لمنع سقوط الأسد اجتماعياً.
لو كان فعلاً المكون المسلم بأغلبيته ضد النظام لسقط من البدايات، لكن هذه الفئة من المكون المسلم هم الذين يعتمد عليهم النظام وهم يشكلون طبقة أغنياء البلاد الذين لا يرفضون التغيير خشية من أسلمة البلاد كالأقليات الدينية، فهم أغلبهم من محيط إسلامي محافظ كما تظهره دائماً الصور الإعلامية لأسماء الأسد وابنتها وهم بصحبة المحجبات والمتدينات المسلمات المؤيدات، هذه الفئة السورية التي يرتكز عليها النظام ترفض جدياً التغيير لأنها بكل بساطة تخاف أن تفقد مكانتها الاجتماعية، تخاف أن تحاسب على مصدر أملاكها وأموالها، وأكثر ما تخشاه هو توقيف شركاتها واستثماراتها في سوريا مع تغيير هذا النظام لنظام جديد.
حارب أبناء فقراء الأقليات في صفوف النظام وسقطوا دفاعاً عما سموه الخوف من الانقراض والذوبان في وجه خطاب معارض غبي كان وما زال يقول إن دين الدولة هو الإسلام، ويشترط على المواطنين غير المسلمين تغيير دينهم للحصول على ذات الحق بالمواطنة، لاحظنا في مراحل بعثية ماضية كيف اضطر مسيحيو الشرق لتسمية أولادهم أسماء إسلامية قيل إنها عربية لكي يكونوا مقبولين في هذا الوطن، الذي ما زال يرفض لغير العربي وغير المسلم حق المساواة.
 لهذا رفض أبناء الأقليات المشاركة بعملية التغيير وللأسف خسرناهم وضحينا بهم، لكن مهما تحدثنا عن تحالف الأقليات في سوريا ومهما استنكرنا دعمهم لنظام مجرم بالمفاهيم البشرية الحديثة، إلا أننا قد نجد لهم مبررات وأعذاراً أهمها انعدام خطاب عصري حضاري لمعارضة تطرح نفسها كبديل، وانعدام مشروع بديل مقنع بحد أدنى لدى المعارضة التي تتصدر الموقف، ولكن لم نجد بعد مبررات لمسلمي النظام، لم نجد سوى تبرير واحد هو الجشع وتفضيل المصلحة الخاصة على المصلحة العامة.
في الواقع لو كان الشعب السوري منسجماً ومتفقاً بنسبة 70 بالمئة على عملية التغيير لكنا شهدنا معارضة ذات وجه آخر، وبكل موضوعية ومنهجية كانت ستمضي عملية التغيير، المعارضة المسماة ائتلاف ومجلس وطني هي الوجه الذي طرحه النظام، وحتى أن الكثير من أعضاء التجمعات هذه ذات صلة بالنظام وترتبط مصالحها المادية بالنظام، بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين، الذين يقرون ويعترفون بهذه العلاقة ويصفونها ببراغماتية السياسة الإخوانية، وهي تندرج ضمن العلاقات التي باشروها قبل الثورة على يد أردوغان، الذي أدخلهم باتفاق مع الأسد إلى قطاع المال السوري.
إحدى أهم شخصيات المعارضة التي تتباكى في المحافل الدولية وتشتكي لتحصد المساعدات الإغاثية لسوريا والدتها من أعز صديقات أسماء الأسد، بل هي صديقة شخصية لوالدتها، وهي وابنتها المعارضة الفذة المحجبة تتردد على بيروت دون أي خطر وتدخل سوريا وبل تدير الأعمال الخيرية بالتعاون مع النظام.
قد يبدو هذا المشهد سورياً لي لكن هذا هو الواقع السوري، ومن يعيش في المدن السورية الكبرى يعي جيداً ما أقول ويعلم التفاصيل لكنه لا يجرؤ على البوح، فقوت الناس لدى المعارضة مرتبط بالصمت والتأييد، والجميع يعيش على المساعدات.
الخيوط متشابكة بين استثمارات النظام والمعارضة في العمق، هذا يعرفه المكون السني البرجوازي ويصمت عنه لأن لكل وجه معروف معارض أخ متعاون مع النظام ومستفيد من الفساد، عند المصالح يصمت الجميع، هذا هو حال سوريا التي تموت بصمتها.
هؤلاء جميعاً شركاء بصمتهم وهم من سيضمنون توفير نسبة السبعين بالمئة لبقاء النظام، الإغاثة التي ستصل لسوريا عبر المعابر ستوزع عبر ذات العصابات المتعاونة من الطرفين رغم الاقتتال الدائر بينهم، لذا فما العناق بين واشنطن وموسكو إلا تجسيداً لواقع الموت السوري المعلن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.