سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

إضاءات حول المعرفة الشعرية

 رشيد المومني (كاتب وشاعر من المغرب)-

كثيراً ما تثار إشكالية المعرفة، في سياق التصنيف الذي يمارسه المهتمون على مستويات الكتابة الشعرية، باعتبار أن المعرفة هي المعيار الموضوعي الذي يتم الاحتكام إليه في الفصل بين جيد القول ورديئه. وبالنظر للطابع التعميمي الذي غالباً ما ترد فيه إشكالية «المعرفة الشعرية» فإننا سنحاول من جهتنا تسليط الضوء على بعض تمفصلاتها الأساسية، في أفق إضفاء ما أمكن من الموضوعية على آليات اشتغالها.
ولعل أول ما يمكن التنويه به في هذا السياق، الدائرة التي تتموضع فيها حلقاتها الوظيفية، حيث يطالعنا أولاً العمق المعرفي المطلوب توافره لدى الذات الكاتبة، تليه الإشارات المعرفية ذات الطابع الجمالي المنبعثة من النص، كي تنغلق الدائرة بالمعرفة الشعرية التي يفترض في المتلقي أن يكون على إلمام وافٍ بها.
وانطلاقاً من التعدد اللامتناهي لنماذج التجارب الشعرية، المصاحبة بتعددية أنماط كتاباتها وقراءاتها، فإن هذه الدائرة لا تلبث أن تكشف عن قابليتها لتوليد وتنسيل فضاءات لامتناهية من الدوائر، التي لا تكون بالضرورة ملزمة بالانتماء إلى شجرة نسب واحدة ومشتركة. فبقدر ما توجد فضاءات لا متناهية من النصوص، ومن كتابها، هناك أيضاً ما لا حدود له من فضاءات القراءة، النقد والتقييم. وعبر هذا وذاك، تتشابك مسارات المعرفة الشعرية، كما تتعارض وتتنابذ.
هكذا سوف نخلص إلى التأكيد على تميز مسالك المعرفة الشعرية، مقارنة بغيرها من المسالك المعرفية، العامة والمتداولة. والتساؤل عن طبيعة هذا الفرق وحدوده، يقتضي منا التذكير بخصوصيتها المزدوجة، التي يمكن مقاربتها أولاً، على مستوى أدائها الوظيفي. وثانياً على مستوى المرجعيات المؤثرة في آلية اشتغالها.
وتتمثل الخصوصية الأولى في توصيلها لرسائل معرفية تختلف من حيث شكلها ومضمونها عن التوصيل المعرفي العادي، وتأكيدنا على هذا النوع من الأداء يستند إلى قناعتنا النظرية بالدور الأساسي الذي يمارسه الشعر في تعميق الوعي، بحضور أفق معرفي ذي طبيعة استثنائية، لعل أهم سماتها، تذكير الكائن بالعناصر الجوهرية المؤسسة لكيانه، باعتبار أن هذا الكيان، هو باستمرار عرضة للتشويه والتحريف، سواء من قبل أعداء الحياة، أو من قبل عنف الشروط الحياتية المؤثرة في إفراز قيم ومسلكيات مضادة لإنسانية الإنسان، وبالتالي، فإن المعرفة الشعرية المندرجة في هذا الإطار، تعتبر بمثابة بلسم لتقوية المناعة الذاتية، في مواجهتها لقوانين الغاب، المنتصرة لسلطة الغلبة والعنف. وهو تصور يفند كل التوجهات التي تجرد الشعر بشكل أو بآخر، من هذه الخاصية الاستثنائية. ولعل أكثرها مدعاة لذلك، الرؤية الظلامية، التي دأبت على التعامل مع الكتابة الشعرية ككل، بوصفها أداة لإفساد وتشويه القيم الأخلاقية، مستثنية في ذلك التجارب المتماهية مع طقوسها الدعوية. إلى جانب المواقف الاختزالية، التي دأبت على حشر الشعر في الخنادق التحريضية، أو تلك التي تكتفي بتوظيفه في سياق مناسباتي أو ترفيهي. وهي في عمومها ممارسات مغلوطة، بالنظر لجهلها المطبق بالأبعاد الحقيقية التي تتميز بها جمالية القول المترع بضوء تلك المعرفة الباطنية، التي لا يمكن أن تهتدي إليها الذوات المعبأة بالتطبيقات الآلية، والمجردة من عمقها الإنساني.
إنها وتأسيساً على ذلك، المعرفة الشعرية المنتصرة لقيم الجمال والسلم، والتواصل الخلاق، والمتبرئة من منظومات المقولات الجاهزة والمسكوكة، المتداولة في المنابر التبشيرية، بمختلف توجهاتها ومرجعياتها، خاصة أن العنصر المركزي الفاعل في استشراف أفقها المعرفي، هو تحررها التام من عرقلة أي إكراه يرد عليها من خارجها. بما تعنيه كلمة التحرر من تجاوز ضمني للتوجيهات المؤسساتية، المؤطرة عادة بقوانين الأمر والنهي، والتحريم والتحليل.
إننا وعبر الخيط الناظم لحلقات المعرفة الشعرية، التي تتداخل فيها معرفة النص، بمعرفة الشاعر، ومعرفة المتلقي، نكتشف مكائد الخدع الرمزية التي هي امتداد لمكائد الخطيئة.. الخدعة التي لا تتوقف عن مطارتنا داخل النص وخارجه.
غير أن ما تنبغي الإشارة إليه في هذا السياق، أن تفاعل المتلقي مع هذه المادة المعرفية، ذات المنحى الشعري البحت، لا يتحقق بالوتيرة العادية المعتمدة في مقاربته للخطابات الفكرية، لأنه يكون في الحالة الأخيرة، مدعواً لتفكيك شيفرة الخطاب الفكري أو العلمي، بالاستفادة من التراكم المعلوماتي المندرج في مدونة المرجعيات المشتركة. فيما يختلف الأمر جذرياً، في حالة إقباله على ضبط المقومات الجمالية للنص الشعري. وهي الحالة التي يستند فيها المتلقي إلى الفعالية التأويلية التي ينبغي أن تتمتع بها شعرية رصيده المعرفي. وبتعبير آخر، إن التفاعل مع المعرفة الشعرية الحاضرة في النص، تستدعي من المتلقي امتلاكه لمنسوب عال من شعرية المعرفة التفسيرية والتأويلية، كي تتأتى له الإحاطة بدلالة ما هو بصدد قراءته، حيث لا يتعلق الأمر بفتح حوار مع مقولات فكرية، أو سياسية، أو مواعظ ذات نكهة دينية أو أخلاقية، بقدر ما يتعلق بتلقي إشارات، ورموز يكون معنياً بتأويلها، مع العلم أن هذه الإشارات تخاطب، أو بالأحرى توقظ لديه تلك الأسئلة الكامنة في دواخله، كي يجدد بحثه فيما لم يكن من قبل مندرجاً ضمن قناعاته النظرية. ما يدعونا للقول بالأهمية القصوى التي يتميز بها شرط امتلاكه للخصوصية المعرفية، التي تعنينا هنا، كي يكون مؤهلاً لالتقاط ما يبثه النص من إشارات، والشروع في ترجمتها إلى دلالات معرفية، مؤطرة بحمولتها الشعرية والجمالية. فتملك المتلقي شعرية المعرفة، يتيح له إمكانية التفاعل مع النص، فضلاً عن استئناسه الحميمي بالوجود الطيفي لصورة الشاعر في مدار القراءة، حيث تصبح المعرفة الشعرية، بمثابة طاقة مضاعفة تغمر المتلقي بحضور ذاتين متكاملتين، هما ذات النص، وذات كاتبه.
بتواز مع ذلك، ثمة عناصر جِدُّ أساسية تمدنا بها ظاهرة المعرفة الشعرية، وتتجسد في إغناء ذاكرة الكتابة بما أغفلته المعرفة العامة والمشتركة. ويمكن تلمس ذلك في صيغة إضافات جِدّ خاصة، وجِدّ شخصية، تتفرد الذات الشاعرة بامتلاكها خلال ممارستها لفعل الكتابة. ثم إن هذه الإضافات لا تقتصر على إغناء المكونات المساهمة في بناء النص، لكنها تشمل فضلاً عن ذلك، المقومات الرمزية والمعنوية التي تستمد منها الذات هويتها الشعرية، حيث يمكن الحديث عن جمالية تبادل حظوة التكوين. فالذات الشاعرة تسعى إلى تكوين النص، وخلال ذلك، يكون النص هو أيضاً بصدد بنائه لذات الشاعر. ما يعني أن هوية الشاعر تتنامى بتنامي كتاباته، في صيغة تعرف مزدوج، موجه إلى كلٍّ من العالم الداخلي والخارجي. فالنص المنجز، يتحول بدوره إلى مكون معرفي، ينضاف إلى الرصيد المعلوماتي للشاعر. وإذا كان هذا الأخير يكتشف العالم، على ضوء ما يمده به التراكم المعرفي المنجز من قبل الآخرين، فإنه في الوقت نفسه، يكتشف المزيد من أبعاده الذاتية عبر استئناسه بما يصدر عنه من نصوص، ذلك أن المعرفة الشعرية تنبهنا إلى ظاهرة تنامي الرحابة في الوجود، التي تحجبها عن أعيننا سكونية الرتابة، لتحول بيننا وبين رؤية ما يحدث هناك، والشعر بهذا المعنى، يذكرنا أن ثمة دائماً ما ينبغي إماطة الحجاب عنه، أي السير في الاتجاه المضاد للعائق الذي يعترض طريقك وأنت باتجاه ما تجب رؤيته، ولأن الرؤية ليست دائماً متاحة، والحدس الشعري وحده المؤهل لأن يدلك على المكان، بوصفه حدساً معرفياً.
إننا، وعبر الخيط الناظم لحلقات المعرفة الشعرية، التي تتداخل فيها معرفة النص بمعرفة الشاعر ومعرفة المتلقي، نكتشف مكائد الخدع الرمزية التي هي امتداد لمكائد الخطيئة.. الخدعة التي لا تتوقف عن مطارتنا داخل النص وخارجه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.