سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثقافة المقاومة

 دلشاد مراد-

 تعتبر المقاومة أبرز الاستراتيجيات التي تلجأ إليها الشعوب والمجتمعات للدفاع عن ذاتها ووجودها وهويتها في مواجهة المخاطر والتهديدات والغزوات الخارجية وحملات الإبادة الجماعية، وكما هو معروف بأن شعوب الشرق الأوسط تمتاز بامتلاك روح وإرادة المقاومة والمحافظة على الهوية والثقافة الأم، فالحملات البيزنطية والرومانية والصليبية والمغولية والطورانية التركية (العثمانية) خلال ألفي عام مضى ورغم بطشها بالشعوب التي خضعت لها، لكنها لم تتمكن من فرض ثقافاتها على تلك الشعوب، وذلك بسبب قوة المقاومة التي كانت تبديها تلك الشعوب للحفاظ على نفسها من الغزاة.
والكرد كغيرهم من شعوب المنطقة، دافعوا وبأساليب مختلفة عن هويتهم ووجودهم طوال القرون الماضية، رافضين على الدوام الذل والهوان واحتلال ديارهم، وقلعة دمدم (في منطقة أورمية بروجهلات كردستان – إيران) عام 1609م شاهدة على واقعة ملحمية لمقاومة شعب ومجتمع ضد الغزاة حتى الرمق الأخير.
كان للحركات التحررية الكردستانية دور فعال في كسر الحظر المفروض على الهوية الكردية في المناطق التي يسكنوها، من خلال الانتفاضات والثورات المسلحة، وحتى في السجون والمعتقلات لم يتوانوا عن تطوير فكر المقاومة ضد جلاديهم، ومقاومة مناضلين كرد في سجن آمد (ديار بكر) عام 1982 خير نموذج لرفض سياسات الإبادة المتبعة بحق الشعب الكردي، وتأكيداً على رفض سياسات التبعية والاستسلام والانحلال.
بدأت مقاومة سجن آمد بإضراب القيادي مظلوم دوغان واستشهاده في 21 آذار 1982م تحت شعار “المقاومة حياة”، وبلغت ذروتها في 14 تموز 1982م، من خلال ما عرف بإضراب الموت الذي لجأ إليه قيادات أخرى وأبرزهم كمال بير ومحمد خيري دورموش.
كان هدف مناضلي مقاومة سجن آمد جعل أنفسهم قرباناً ووقوداً للتأكيد على روح المقاومة الكردية واستمراريتها وإفهام الطبقة الحاكمة في تركيا بأن القضية الكردية لن تنتهي من خلال اتباع سياسة القمع والإبادة السياسية والثقافية، كما كانت صرخة ونداء ورسالة إلى الحركة السياسية التحررية الكردستانية وقيادتها لتصعيد فكر المقاومة، وهو ما أكده هؤلاء المناضلون ومنهم كمال بير الذي قال حينها: “إننا بمقاومتنا نحول الموت إلى حياة”، والتي تُرجمت بعدها بإعلان الكفاح المسلح في باكور كردستان/ تركيا في 15 آب 1984م لكسر سياسات الإبادة المتبعة بحق الكرد، حتى أن القائد عبد الله أوجلان ذكر في أحاديثه أنه بفضل مقاومة سجن آمد تطور الكفاح المسلح في كردستان.
هزت مقاومة سجن آمد مضاجع حكام تركيا الذين أُجبروا على مراجعة ظروف السجون والمعتقلات، كما أجبرهم الكفاح المسلح على الاعتراف بوجود القومية الكردية بعد أن كانت تصفهم بأتراك الجبال وتزعم أنها أنهت القضية الكردية إلى الأبد.
وقد كانت أخبار مقاومة سجن آمد تلهب صدور أبناء الكرد في كافة أنحاء كردستان ومن بينها “روج آفا”، فانضم مئات بل آلاف من الشباب والشابات فيما بعد إلى صفوف الثورة المسلحة على إثر تصعيد المقاومة في كردستان. وزرعت روح المقاومة البطولية في نفوس الأجيال الجديدة، وكان من نتائجها تهيئة المجتمعات الكردية المحلية للمقاومة والثورة، ولذا فمن الطبيعي أن تكون ثورة شعوب روج آفا وشمال شرق سوريا التي انطلقت في 19 تموز 2012م امتداد لصرخة وروح مقاومة مناضلي سجن آمد. بل وتستمر هذه الروح في إثبات ذاتها من خلال المقاومة التي تبديها شعوب المنطقة في مواجهة سياسات الدولة التركية والمرتزقة والقوى الظلامية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.