سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

سكان قرى مجاورة للحراقات.. جُلّ أحلامهم أن تستنشق عوائلهم هواء نقياً

جل آغا/ غزال العمر ـ عائلة تعيش منذ ست سنوات تحت ألسنة اللهب وسحائب الدخان لا تبعد عن الحراقات أكثر من 300 متر؛ فظروف الحياة أجبرتهم على السكن والتعمير بأرضهم الزراعية التي لا يملكون غيرها؛ متحملين الجو الملوث الذي يصعب على أي أحد العيش به.
تعتبر الحراقات كارثة بيئية يدفع ثمنها الأطفال والعوائل التي تجاورها يتنفسون دخاناً ويعانون من أمراض تنفسية وصدرية وتحسسية وسرطانية مزمنة دون الوصول لحلول ناجعة تُرضي الطرفين وهم أصحاب الحراقات والمتضررين من سكان المناطق المجاورة لهم .
الحراقات تحوّل نهارهم لليل 
حسام إبراهيم المياح من سكان قرية عسيلة الواقعة على خط الحراقات “40 عاماً” أب لخمسة أطفال يتشاركون معه المأساة والمعاناة يبوح عبر منبر صحيفتنا “روناهي” بهمومه قائلاً “ماذا أفعل لا أملك مكاناً آخر يأويني وعائلتي غير هذا وليس عدلاً أن أستأجر وبيتي موجود”.
يعيشون وسط عوادم الحراقات التي تنفث بسمومها فوقهم كلَّ يوم مُعبّراً عن ذلك بقوله “يومنا كلّه ليل أسود؛ فالحراقات ودخانها حوّلت نهارنا لليل” في وضح النهار تتكتل غمائم السحب الدخانية فوقهم يشحذون أنفاسهم بصعوبة ولا تسلم عيونهم المتحسسة من دعك أيديهم ليزيد احمرارها.
أكثر من 30 قرية تُعاني من أزمات صحيّة 
يتابع المياح حديثه وعلامات التعب والإرهاق واضحة على ملامح وجهه الموشح بالسواد؛ حيث أنّه لم يتم ليومين متواصلين بعد انقطاع نفس أحد أطفاله الذين يعانون من نوبات رمل تحسسي متسائلاً: كيف سأنام وطفلي يكاد يختنق بين يدي؟ الأمر الذي اضطره لإسعافه هو ووالدته على دراجته النارية بحثاً عن طبيب؛ لحاجة الطفل الماسة لجلسة رذاذ لتوسيع قصباته.
كما أشار المياح إلى أنّ مأساته تتكرر كلّ يوم لا يهنئ بنوم ولا مأكل ولا شراب ولا حتّى ملبس؛ فثياب الخروج أصبحت نفسها ثياب للعمل لأنّها تتلوث وتُصبغ باللون الأسود خلال دقائق حسب تعبيره.
يحلم المياح الذي يعمل عامل يوميّة بالراحة بمنزله مثله مثل أيّ شخص يرجع من عمله مرهقاً واصفاً حياته بأنّها على “كف عفريت” معبراً عن ذلك بقوله “أعيش على أعصابي بحالة توتر فأولادي يتناوبون في المرض”.
ابنه البِكر يُعاني من تحسس بعينيه وابنته تُعاني من انتشار الحبوب الجلدية بجسمها ونوبات الربو وضيق التنفس، أشياء باتت اعتيادية روتينية؛ لِتكبر مخاوف الرجل من أنّ تفتك الأمراض السرطانية بعائلته واحد تلو الآخر خاصةً وإنّ الإصابات التي يسمع بها في القرى المجاورة قد أودت بحياة الكثيرين.
قبل أنّ يحل المساء وبشكل يومي يأتي أخوة حسام الذين يجاورونه؛ لكنّهم أبعد مسافة منّه عن الحراقات يقول صدام إبراهيم المياح الذي يشكو هو الآخر من أمراض جلدية تنتشر بين أولاده وتحسس تنفسي قائلاً: “مأساتنا واحدة وما نحن إلا غيض من فيض؛ فأكثر من ثلاثين قرية تعيش في حيرة من أمرها” فعندما تفرغ حراقة الفاكو إنتاجها نغلق أبواب بيوتنا دون جدوى فأن سلمت ملابسنا من السواد لا تسلم أنوفنا من الروائح الكريهة”.
شكاوى السكان في مهبِّ الريح
وفيما إذا بثوا بشكواهم وهمومهم للجهات المعنية يقول المياح الأخ “نشتكي للمسؤولين ولأصحاب الحراقات أن يُبعدوا حراقات الموت من جانبنا لكن لا حياة لمن تُنادي ولا جدوى من ذلك”.
حمزة حسام المياح ابن الثمان سنوات يعاني من احمرار دائم في عينيه وصوت خافت بالكاد يسمعه من يتحدث إليه يصور لنا الطفل معاناته وأخوته مما يسمى بالحراقات :” ألا يوجد مكان غير هذا يعملون به نحن نموت ؟” أطفال يموتون ببطء وملامح الشقاء تخترق براءة طفولتهم المعذبة فمن أبسط حقوقهم التي حُرِموا منّها ” استنشاق هواء نقي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.