سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

سوريا المركونة على الرف

غسان إبراهيم (إعلامي)-

الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يريان أن الجمود العسكري في سوريا يريحهما من تحمل أي مسؤوليات إنسانية تغنّيا بها في الماضي وتحميل العبء على الجانبين الروسي والإيراني اللذين انتصرا فوق كومة خراب، تدخل سوريا يوماً بعد يوم مرحلة النسيان بعد أن وصلت إلى حالة لا تستقطب الصديق ولا تغري العدو بعكس ما يبديه نظام الأسد ومعارضوه تماماً فالحقيقة تختلف عن أمنيات الطرفين.
يهيمن الجمود العسكري النسبي داخل الأراضي السورية والإهمال للعملية السياسية ضمن الإطار الدولي مما يؤشر على أن هذا البلد لا يحظى باهتمام أحد على الأقل في المدى المتوسط، فروسيا وإيران أقصى ما يمكنهما فعله هو ما تم عملياً على الصعيد العسكري وما يقابله من صفقات على ثروات سوريا ثمناً لإنقاذ نظام الأسد، والنظام في سوريا لا يريد أكثر من ذلك منهما، فكلما قل تحرك هاتين الدولتين شعر النظام بالراحة من أيّ مفاجآت سياسية خارجية لا يرغبها.
الوهم الذي نشرته المعارضة عن السقوط السريع للنظام لا يختلف كثيراً عن الوهم الذي ينشره بشار عن الخروج من عنق الزجاجة، في بلاد يتزايد فيها الفقر بينما تتفسخ الدولة ويتفكك البلد، فقانون قيصر نسف خطط النظام والتعنت الروسي فعل نفس الشيء لخطط المعارضة. وما ورد في البيان الختامي لاجتماع زعماء دول الناتو الذي عقد في بروكسل يوم الإثنين الماضي على أن الأمن والاستقرار في سوريا لن يتحقق ما لم تجر عملية سياسية حقيقية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، يعني استمراراً للجمود نتيجة الرفض الروسي والإصرار الغربي.
وكلما طال الجمود زاد التنافس الهادئ في صفوف حلفاء النظامين الإيراني والروسي على الكعكة السورية، فالطرف الإيراني بارع في تشكيل الميليشيات التي تتكاثر بشكل متزايد في سوريا مستغلاً الفقر المتفاقم، وإيران بطبيعة الحال لا تدعم دولاً بل ميليشيات انطلاقًا من أن تكلفة دعم الدول تستنزف الموارد المخصصة للمهام الخارجية.
دعم الدولة السورية لتقف على قدميها سيكلف كثيراً وسيعرقل قدرات إيران الخارجية في اليمن والعراق ولبنان وغيرها، لذلك تشكيل ميليشيات بالمال الإيراني في سوريا سيمكنها من البقاء في البلد لفترة طويلة حتى لو انهار النظام لأيّ سبب كان، لا سيما وأن تشكيل الميليشيات نابع من خبرات إيرانية متراكمة ويمكنها المساعدة في استنساخها في سوريا حتى في أوقات قد توصف بالسلم.
قد يتساءل البعض ولماذا هناك حاجة لمثل هذه الميليشيات في وقت لم تعد للحرب قيمة في ظل الجمود الحالي؟ الجواب بسيط، فالتشابه بين الوضع السوري واللبناني سيتزايد مع تآكل الدولة السورية، فكما لسلاح حزب الله في لبنان قيمة إيرانية حتى بعد انتهاء أيّ عمل عسكري مع إسرائيل، وتحوّل هذا السلاح إلى أداة حارسة للنفوذ الإيراني في السياسة اللبنانية سيكون الحال مشابهاً في سوريا.
وعود بشار ونظامه ذهبت أدراج الرياح، فالتحسن المعيشي البسيط الذي قدمه خلال الانتخابات تبخّر بعدها، وكان مجرد رشوة لحث المؤيدين لانتخابه رغم أنه باق حتى دون انتخابات، هناك ميليشيات مسلحة عسكرياً وعقائدياً ولاؤها لإيران وليس للنظام السوري، سيكون لها دور يحدده الجانب الإيراني في الكيف والزمن الذي يناسبه.
بينما الطرف الروسي يحاول هيكلة الدولة السورية دون جدوى مصطدماً بمقاومة النظام لأيّ تطوير خشية أن تكون هذه الخطوة الأولى لتغيير داخلي لا يرغبه، وكذلك رفض إيراني للاستفراد الروسي بهذا البلد، وهذا البطء في الحركة من روسيا وإيران داخل سوريا، سواء أكان إيجابيا أم سلبيا، سيدخل البلد مرحلة النسيان والترهل، بينما يدفع المواطن السوري ثمن هذه التقاطعات الدولية من حلفاء النظام وأعدائه، ولا ننسى الدور التركي واحتلاله لعدد من المدن السورية التي يجب أن تعود.
الجمود يخدم الدول الأوروبية لأنه يوقف موجات اللاجئين ويسحب هذا الأمر من يد تركيا التي لم تتوقف عن ابتزاز الأوروبيين بورقة اللاجئين، والجانب الأمريكي يرى في هذه الحالة فرصة للاستنزاف الإيراني والروسي وتحويل سوريا إلى مستنقع يزداد عمقًا عسى أن يسمع صراخًا ممن غرق فيه.
لا أحد يرغب أو يستطيع التخلص من هذا الجمود، ولماذا على هذه الأطراف التحرك؟ كل طرف يرى في هذه الحالة مصلحة له وورطة للآخرين، معادلة يخرج منها النظام والمعارضة جانباً وتبقى سوريا وسط محيط من الأزمات يديرها لاعبون من الخارج لمكاسبهم الخاصة على حساب السوريين.
ألا يعي النظام أن بيده دولة يجب إنقاذها؟ فوضع سوريا يتجه نحو الأسوأ، وأين المعارضة السورية؟ لماذا لا نسمع صوتها ومقترحاتها للحل كما كانت تفعل عندما كاد الأسد يسقط لولا التدخل الروسي، العجز في صفوف المعارضة التي ارتهنت للآخرين هو المسيطر على المشهد العام، والجشع في صفوف النظام هو سيد الموقف الكئيب في سوريا الأسد.
غياب الوعي عند النظام السوري لحاجة إنقاذ سوريا أكثر من إنقاذ عائلة الأسد وربط مصير البلد بمصير رجل واحد سيقود نحو استمرار تسليم سوريا للصديق والعدو، وكذلك المعارضة التي خسرت أغلب الوطنيين فيها وبقي في المشهد إما إسلامي متشدد أو إخواني أو سياسي بسيط ولاؤه لتركيا أو ما شابه، فأهلًا بكم في سوريا المركونة على الرف!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.