No Result
View All Result
قامشلو/ رؤى النايف ـ
عمالة الأطفال باتت واقعاً في ظل الوضع الاقتصادي المتردي في المجتمع، وبين الوعود والمشاريع والقوانين التي لم تُطبق تمضي الأيام دون حلول ملموسة تأخذ بيد هؤلاء الأطفال إلى بر الأمان بعيداً عما يعيشونه في أزقة الشوارع القاسية، ويبقى السؤال.. إلى متى؟!
أطفال بلا طفولة
“منشان الله اشتري مني بسكوت… الله يخيلك ولادك اشتري مني علبة المحارم.. لأقدر اشتري خبز وآخذو ع بيتنا” هذه الجمل والكلمات وغيرها من عبارات التوسل والترجي من أطفال لم يتجاوز عمرهم ثمانية أعوام باتت تتردد على أسماعنا بكثرة، هذا المشهد الذي أصبح معتاداً في شوارعنا، وقد ترى هذا الطفل أكثر من مرة في يومك وفي أكثر من شارع. عمالة الأطفال لم تعد ظاهرة نشاهدها لفترة وتزول، بل أصبحت واقعاً معاشاً ومألوفاً في المجتمعات وبين الأهالي، ونشطت هذه الظاهرة بعد الأزمة السورية بشكل كبير، وأصبحت أكثر تبايناً في الوضع الاقتصادي الذي نعيشه الآن.
مآسي طفل مهجر
ما يدمي القلب هو منظر الطفل الذي يجلس خلف بسطته وينادي ويتوسل على بضاعته وكأنه رجل مخضرم في السوق، يقف المارة عاجزين متسائلين ما الذي دفع طفل ليخرج من ساعات الصباح الباكرة لا يرجع إلى منزله حتى وقت متأخر من الليل؟ يقضي نهاره واقفاً يبيع أغراضه بأثمانٍ زهيدة، وإن تطفلنا عليه وسألناه سيجيب أنه معيل لأسرته أو أن والده متوفي، كما حدث مع الطفل “و.س“، الذي أجبرته طائرات النظام السوري على الخروج من قريته مع أمه و أخواته الثلاثة تاركين خلفهم مصير والدهم الذي لا يزال حتى هذه اللحظة مجهولاً، يقول “و.س”: “عندما خرجت من قريتي كان عمري تسع سنوات، كنت لا أعمل إلا مع والدي في أرضنا الصغيرة، لم أكن أتعب معه، رفض والدي الخروج معنا وكنا نظن أنها أياماً قليلة وسنعود لبيتنا وأرضنا، لم يمضِ إلا شهران على خروجنا إلا ووجدت نفسي مسؤولاً عن نفسي وأمي وأخواتي، ومن الضروري أن أجد عملاً في أسرع وقت، وجدت عملاً في محل لبيع بطاريات السيارات وكنت أخذ أجراً أسبوعياً 2500 ليرة سورية مع بعض الإكراميات البسيطة، وأمضيت في هذا العمل أكثر من ثمانية أشهر، كان يأتي ابن صاحب العمل وكان يتقرب مني ويتودد، كنت أظن أنه يرغب في مساعدتي لكن تبين لي أنه يحاول التحرش بي، فتركت العمل في نفس اليوم ولم أستطع أن أفصح عن سبب تركي للعمل، وعملت في ورشة أخرى وبعيدة لأنني لا أستطيع البقاء دون عمل لفترة طويلة، وبعد مرور أكثر من عام ونصف في عملي انسكبت على يدي مادة (الأسيد) بسبب انفجار بطارية، أسعفني صاحب العمل ودفع حساب المشفى ولكنه فصلني من العمل”.
أزمة بلا حلول
عمالة الأطفال قضية ليست جديدة على المجتمع السوري إلا أن الأزمة السورية جعلتها مشهداً يومياً في ظل تفاقم كبير للوضع الاقتصادي للمنطقة، ووفق تقرير “لليونيسيف” نشر مؤخراً فإن: “نصف الأطفال السوريين بلا مدارس”، إما لأنها تقع في مناطق اشتباكات أو انها دمرت أو بسبب الهجرة أو تحولت إلى مقار للجماعات الإرهابية.
للعمالة مخاطر وسلبيات كثيرة، فهي تؤثر على نفسية الطفل والانغماس في مجتمع الكبار، بما يتضمنه من ضغوطات وصعوبات اجتماعية ونفسية ومادية تضع الطفل في قلق نفسي، ومفهوم العمالة هو ذلك العمل الذي يضع على الطفل أعباء كثيرة وتهدد سلامته، بحيث يكون أساس العمل هو الاستفادة من ضعفه وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه والاعتماد عليه كعمالة رخيصة بديلة عن عمالة الكبار، وبمعنى أصح “العمل الذي يحول دون تعليم الطفل”، ناهيك عن تعرضهم لإصابات العمل التي قد تكون مسببة لإعاقة أو عاهة مستديمة، بالإضافة للتحرش الجنسي الذي قد يتعرض له الطفل والذي يؤثر في نفسيته ونموه العقلي والإدراكي والتأخر الدراسي أو ترك المدرسة بشكل نهائي.
أسباب العمالة
للعمالة عدة أسباب اقتصادية واجتماعية، كالفقر والغلاء والبطالة والأمية، وتتفاقم هذه الظاهرة في ظل غياب الإحصائيات الرسمية وتزداد تعقيداً نتيجة الحرب الدائرة في سوريا وانعكاسها الاقتصادي على الأسرة والخراب والدمار والتشرد. كل هذه الظروف التي تعرضت لها العوائل دفعتهم للهجرة أو اللجوء إلى المخيمات في مناطق أخرى، مما أدى إلى فقدان المعيل أو المورد المالي للأسرة مما جعل الأهالي يدفعون أطفالهم للعمل بأي مهنة تدر عليهم ولو مبلغاً بسيطاً يسد أبسط احتياجاتهم، كما يحدث مع الطفل “براء العلي“، الذي يقسم يومه إلى قسمين بين العمل ودوامه في المدرسة، وهو يعمل كبائع أحذية على عربة بالسوق الشعبي بيومية 3000 ليرة، ويرغب بإكمال دراسته ولكنه يعتقد أنه لن يستطيع لأن يوميته لا تكفي عائلته ولا تسد ثمن الخبز الذي يحتاجونه.
مشاريع ولكن!
وفي وقت سابق كانت هناك لجنة للحد من ظاهرة عمالة الأطفال، مؤلفة من عدة هيئات “المرأة ـ الشؤون الاجتماعية والعمل ـ التربية والتعليم ـ والشباب والرياضة” بالإضافة لمكتب شؤون المنظمات ولجنة الكادحين
التي كانت صاحبة هذا المقترح، وبالحديث عن هذا الشأن كان لنا لقاء مع “شاهة الخلف” نائبة الرئاسة المشتركة لهيئة الشؤون والعمل في قامشلو، وقالت: “عملنا في ذلك الوقت مع الجهات المذكورة ودرسنا وضع بعض العوائل، كما قمنا بعدة إحصائيات وخطط للوصل لخطة هدفها تمكين أهالي الأطفال الذين يعملون وهم دون سن الثامنة عشرة من العمل ليتفرغ أطفالهم للدراسة، لكن بعض العوائل رفضت لأنه باعتقادهم الطفل الذي يتعلم مهنة منذ الصغر أفضل من متابعة الدراسة، وأن المكاسب المادية التي تأتيهم عن طريق عمل طفلهم أفضل من رواتب قليلة تقدم لهم، وبسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار والضغوطات السياسية على المنطقة، توقفت الكثير من المشاريع والخطط التي كان من المفترض أن تنجز للمحاولة للحد من هذه الظاهرة”.
وعود وردود المعنيين
أضافت شاهة الخلف قائلة: “نحن كهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل وضمن هيكلة عملنا في الهيئة، نعطي تراخيص للمنظمات الإنسانية في المنطقة، وسعينا وناشدنا وأكدنا على ضرورة سعي المنظمات لتنفيذ مشاريع تقلل من الظواهر الاجتماعية السيئة كالتسول عند النساء وعمالة الأطفال، أو الاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون رعاية معاينة كالأدوية والحفاضات وغيرها، وتلقينا الوعود التي تتبخر في الهواء”.
واختتمت “شاهة الخلف” نائبة الرئاسة المشتركة لهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل: “في وقتٍ سابق أمنا فرص عمل لعدد من العوائل داخل مؤسسات الإدارة الذاتية، مقابل راتب شهري كان يصل حينها إلى 60 ألف ليرة، بشرط عودة أطفال تلك العوائل إلى مدارسهم لكن دون جدوى”.
بدورها أوضحت “زينب صاروخان” رئيسة هيئة المرأة بإقليم الجزيرة، أنه من أحد أهم استراتيجيات الإدارة الذاتية الديمقراطية تأمين فرص العمل لأرباب الأسر، سواء أكانوا نساء أو رجالاً من خلال مشاريع تنموية صغرى وكبرى افتتحت مؤخراً في المنطقة، ولعل هكذا مشاريع تكون كحلول مؤقتة، تغني الأسرة عن دفع أطفالها الصغار إلى ميدان العمل قبل أن يتم عامه الثامن عشر، والذي يؤثر على مستقبل الطفل ووضعه النفسي والجسدي، ويحول بينه وبين وصوله إلى المدرسة.
وحول عمالة الأطفال حالياً، شُكلت لجنة على مستوى شمال وشرق سوريا لتجهيز مسودة قانون حماية الطفل، ويتم النقاش مع الجهات المعنية للوصول إلى قرار لتصديق قانون عمالة الأطفال.
No Result
View All Result