سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الشرق الأوسط… منبع ثقافة المقاومة

دجوار أحمد آغا-

تعتبر منطقة الشرق الأوسط من أهم المناطق الغنية بثرواتها الباطنية والجوفية وكذلك بحضاراتها وكونها مهد الديانات السماوية وأقدم بقعة مأهولة بالبشر على وجه المعمورة، إذ بينت الدراسات الأثرية أن سلسلة طوروس وزاغروس وسهول ما بين النهرين (ميزوبوتاميا) كانت المكان المناسب الذي استقر فيه الإنسان الأول الذي قدم من أفريقيا، حيث فيها الكثير من الكهوف التي كانت المأوى والملجأ للإنسان في مواجهة عوامل الطبيعية والحيوانات المفترسة.
تعرضت هذه المنطقة للعديد من الغزوات والاحتلالات على مر التاريخ من جانب كل قوة نشأت، سواء في الشرق (اليابان – الصين – المغول والتتار) نموذجاً، أو من الغرب (الإنكليز – الفرنسيين – الألمان – الأمريكان) نموذجاً، إلى جانب دخول الاستعمار الحديث من بوابة الانتداب عن طريق عصبة الأمم على شعوب المنطقة وتقسيمها وفق مصالحهم الاستعمارية، وهو ما خلق ثقافة غنية جداً بروح المقاومة وطرد الغزاة وإعادة إحياء ثقافة الحضارات القديمة التي شهدتها المنطقة.
منذ دخول الاستعمار وقدوم الغزاة والمحتلين للسيطرة على شعوب الشرق الأوسط والشعوب في كفاح متواصل من أجل دحر المحتل والغازي والعيش بحرية، ومع دخول ما سُمي بربيع الشعوب في العالم العربي على وجه الخصوص والتي جاء نتيجة الضغط والظلم الكبيرين الذي عانت منه هذه الشعوب على يد حكامها المستبدين من جهة، وتأثرها بالثورات الشعبية التي جرت في بعض البلدان، أوكرانيا مثلاً من جهة أخرى، مما أدى إلى ظهور حركة احتجاجات شعبية عفوية سلمية في مواجهة الأنظمة الحاكمة التي اضطر البعض منها تحت ضغط هذه الاحتجاجات إلى الفرار أو التنحي عن الحكم (بن علي هرب في تونس – مبارك تنحى في مصر).
 وفي الجهة المقابلة نرى بأن البعض الآخر من هذه الأنظمة الشمولية لم يتنحَّ ولم يتخلَّ عن مقاليد الحكم، بل على العكس من ذلك فقد استمر في قمعه وطغيانه بشكل فظيع وحوّل هذه الاحتجاجات السلمية إلى ما يشبه حرباً أهلية مدمرة (نظام الأسد في سوريا – ما يجري في اليمن وليبيا) نموذجاً، وقد استقوت هذه الأنظمة بالقوى الإقليمية والدولية التي تدور في فلكها.
استغلت هذه القوى الإقليمية، وعلى وجه الخصوص تركيا وإيران، وريثا الإمبراطوريات (العثمانية – الصفوية)، تواجد القوى الاستعمارية (الانتداب) في المنطقة، حيث وضعت نفسها تحت تصرفها وقدمت لها فروض الطاعة مستغلة التأخر الحاصل في النهضة الثقافة والسياسية لشعوب المنطقة، مما صنع منها الأنظمة التابعة للدول الاستعمارية بعد خروجها من المنطقة وإن كان هذا الخروج شكلياً بمعظمه.
يذكر المناضل الهندي الكبير جواهر لال نهرو في كتابه (لمحات من تاريخ العالم) أثناء زيارة ابنته أنديرا غاندي له في السجن وبكائها عليه للوضع السيئ الذي وجدته فيه قائلاً: “لا تبكي صغيرتي، هناك المئات من الثوار والمناضلين الذين يتعرضون لأبشع انواع التعذيب في غياهب سجون الأنظمة القمعية والدكتاتورية في الشرق الأوسط، وللأسف فإن شعوبهم لا تقدرهم حق تقدير. سألته أنديرا: ومن هم يا أبي؟ رد عليها نهرو بالقول: إنهم الكرد يا ابنتي.
الكرد بطبيعتهم مجبولون على روح المقاومة والتمرد ورفض الانصياع والاستعباد، فهم يمتازون بالشموخ والكبرياء الذي يستمدونه من شموخ جبالهم الشماء وتاريخهم الطويل في المقاومة والمواجهة وبناء الحضارات ودحر الغزاة والطامعين بأراضيهم الخصبة وطبيعتها الخلابة. وهذا ما جعل منهم في طليعة الشعوب المناضلة من أجل تحرير أوطانهم وأنفسهم من الاستعمار والاحتلال.
 الكرد كان لهم دور كبير في مقاومة الغزاة والمحتلين وكذلك طردهم وإخراجهم من البلدان التي احتلوها (تركيا والعراق وسوريا وإيران ومصر وفلسطين…)، لكن ذلك لم يشفع لهم، بل وضعهم في مواجهة مباشرة مع قوى الهيمنة العالمية والتي قامت بتمزيق وطنهم وإلحاق أراضيه بعدة دول تحكمها أنظمة قوموية شوفينية موغلة في الاستبداد والظلم بحق شعوبها، فما بالك بالشعب الكردي!
هذه الظروف جعلت من الشعب الكردي، وحركة الحرية التي تمثل الإرادة الحرة لهذا الشعب، في طليعة الشعوب المقاومة والمكافحة من أجل بناء مجتمع ديمقراطي حر، منطلقاً من فكر وفلسفة قائد إنساني ومفكر وفيلسوف معتقل في جزيرة بوسط البحر على إثر مؤامرة دولية، كون هذا الفكر وهذه الفلسفة تشكل طريق الحل وأسلوب المقاومة والنضال للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار والاحتلال، ليس العسكري فقط، بل الأهم من ذلك الفكري والاقتصادي والاجتماعي.
المقاومة الأسطورية في كوباني وعفرين وكري سبي وسري كانيه التي قادتها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، ومن ثم قوات سوريا الديمقراطية في مناطق شمال وشرق سوريا في مواجهة أعتى وأشرس التنظيمات الإرهابية الممولة والمدعومة فعلياً وعملياً من نظام أردوغان (داعش وأخواتها من النصرة وتحرير الشام والكتائب العميلة المتفرقة)، أثبتت للعالم أجمع أن إرادة الشعوب أقوى من كل أسلحة العالم، وعندما يمتلك الإنسان الحر إرادته ويقرر أن يقاوم المحتل فهو يصنع المعجزات، قالها البروفيسور والمفكر الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي في محاضرته عبر أون لاين في جامعة روج آفا، ولا يوجد في قاموسه شيء اسمه المستحيل وهو سينتصر عاجلاً أو آجلاً، وهو ما تحقق بالفعل في كوباني وتم تحطيم أسطورة داعش التي لا تُقهر.
المقاومة حياة.. صرخة أطلقها الثائر مظلوم دوغان وتبناها عشرات الآلاف من المناضلين والمقاومين في السجون والمعتقلات وفوق قمم جبال زاغروس وطوروس، مهد الإنسانية. إن الملاحم الأسطورية التي تُسطرها الكريلا “قوات الدفاع الشعبي” في مناطق آفاشين ومتينا وزاب وقبلها في كاري وحفتانين وغيرها؛ أذهلت العالم، فعلى الرغم من استخدام الفاشية التركية لكل الأسلحة المتوفرة لديها بكافة أنواعها الجوية والبرية وحتى تلك المحرمة دولياً إلا أنها لم تستطع، ولن تستطيع، أن تستقر في مناطق الدفاع المشروع التي أعلنتها قوات الدفاع الشعبي، صاحبة الأرض والقضية العادلة، بينما قوات الفاشية التركية غزاة محتلين وغرباء عن هذه الأرض، فشتان بين من يدافع عن أرضه وعرضه وكرامته وبين من يُهاجم بقصد الاحتلال والاستعمار والاستعباد.
وهنا فإننا نجزم بأن النصر سيكون حليف الشعوب التي عرفت حقوقها وأمسكت بزمام المبادرة لإحقاق هذه الحقوق بشتى السبل والوسائل المتاحة، وهو ما نراه على أرض الواقع في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية وكذلك مناطق الدفاع المشروع التي تحميها قوات الدفاع الشعبي الكردستاني وتفديها بأرواحها محققة الانتصار تلو الانتصار على الغزاة، لا بل إنها تضرب الطورانية التركية في العمق، ومثال على ذلك ما جرى في الهجوم على المطار العسكري في آمد وكذلك العملية العسكرية في منطقة سرحد شمال الوطن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.