جل آغا/ غزال العمر ـ
صناعة المكانس مهنة تقليدية شعبية ولها عشاقها الذين لا يزالون متمسكين بها كمهنة يعيشون منها، وكذلك زبائنها الذين يحبذون استخدامها رغم ما وصلنا إليه من تطور وحضارة وأدوات كهربائية حديثة تستعمل
للتنظيف حلت محل هذا النوع من المكانس.
“علمني جاري المسيحي هذا الكار”
سلوم المحمد رجل ستيني من قرية تل علو الواقعة بريف جل آغا الجنوبي، يمارس مهنته منذ أربعين عاماً في صنع المكانس وشدِّها، وكان قد تعلمها من جاره المسيحي ليخترع لنفسه آلةً بدائية تعينه في عمله لتصبح رفيقة دربه في رحلة العمل والشقاء والكفاح. رب أسرةٍ تتألف من سبعة أشخاص، علم زوجته صناعة المكانس ليربيا منها أولادهما، وعن عمله هذا قال: “علمت بدوري زوجتي لتعينني على تأمين مستلزمات العائلة واحتياجاتها، فهذه مسؤولية الأبوين رغم ضعف وبساطة الإمكانات”. لكن ماذا يحتاج الرجل في عمله؟ يقول بأنّ أدواته بسيطة، فكل ما يحتاجه خيوطٌ وسلكٌ معدني “تيل” ويدان تجيدان صناعة المكانس ببراعة.
“صانع المكانس”
لكن من أين يحضر مادة الصنع الأولية؟ يقول الرجل بأنّ الناس يزرعونها في بيوتهم أو على أطراف القطن في السابق إلى أن تنمو وتكبر فيحضرونها للرجل “صانع المكانس” كما يطلق عليه أهل المنطقة الذي اشتهر بهذا اللقب بينهم. يقصده الناس من كلّ حدبٍ وصوب حاملين حزماً من نبتة المكنس التي سرعان ما تتحول لمكنسة ينذهل الناظر من شدة إتقانها وحرفتها. وللبدء بالعمل أصول، حيث يقوم الرجل وزوجته بنقع حزم المكنس في برميل يحوي الماء لعدة ساعات، وذلك ليطرى ويسهل طويه والعمل والتحكم فيه.
وعن ساعات العمل التي يقضيها الزوجان تقول الزوجة فاطمة الحسين ذات الخمسين عاماً: “نستيقظ في الصباح الباكر، وما أنّ نتناول لقمة الفطور حتى نبدأ بالعمل حتى ننسى أنفسنا”، يشدون من خمسة عشر إلى عشرين مكنسة بشكلٍ يومي ويتقاضون جراء عملهم أجراً بسيطاً لا يوازي تعبهم وتركيزهم ومجهودهم قائلة: “نأخذ 500 ليرة فقط أجرة أيدينا إذا كان المكنس من الزبون، أما إذا كانت المكنسة بأكملها منا صناعة ومواد فيصل سعرها لـ 2500 ليرة”.
وتستذكر الزوجة أياماً وسنوات مضت كانت أجرتهم لا تتجاوز المئة ليرة والمكنسة كاملة بـ 500 ليرة.
أحوال معيشية صعبة
وفيما إذا فكرت العائلة تغيير مهنتها لتحسين وضعها يقول الرجل الستيني الذي بدا متعباً ومنهكاً من العمل طوال كل هذه السنين متسائلاً: “ماذا سأعمل إذا غيرت مهنتي وكيف سأعيش وأعيل عائلتي؟” يكافح الرجل العصامي في حياته، فعمله لا يقتصر على صناعة المكانس التي تعتبر صنعة موسمية مرتبطة بجني نبتة المكنس في الصيف فقط، بل يعمل كبائع متجول يركب دراجته النارية ليجول في القرى المجاورة عارضاً مكانسه للبيع مردداً: “ما أصنعه في الصيف أبيعه في الشتاء”.
صعوبات العمل
ولا تخلو مهنة الزوجين من التعب والآثار السلبية على صحتهما، فلا ينسى المحمد آثار الجروح التي كادت أن تُقلع عينه بسببها: “الخياط أصعب مرحلة بصنع المكنسة، تحتاج لتركيز وقوة عضلية، وأي خطأ وعدم تركيز ربما يفقدك أحد عينيك”، يعاني الزوجان من ألم بالرقبة والظهر والعيون كنتيجة طبيعية لمهنةٍ شاقة لا تكاد تغطي نفقاتها نظراً لغلاء المواد الداخلة بصناعتها رغم بساطتها. لا يفكر سلوم المحمد وزوجته بتعليم وتوريث تلك المهنة لأحد أولادهم لما يعانيانه من متاعب ومشاق، فهذه المهنة باتت رفيقة دربهم ومن الصعب الاستغناء عنها.






