جل آغا/ غزال العمر ـ
رافق التركمان الأرمن رحلة نزوحهم من تركيا لسوريا منذ عام 1914، وتعرضوا للإبادة الجماعية من قِبل الأتراك برحلة تهجير وتعذيب، ويعيش الرجل “سائق القطار” وزوجته مع حفيدين لهما ليؤنسا وحدتهما ويملأن عليهم البيت مع زخم قصص جدهم وذكرياته.
يزيده التقدم بالعمر نشاطاً
مصطفى الفحل من سكان بلدة تل كوجر الحدودية مع العراق من مواليد 1947م، أب لثمانية بنات وأربع أولاد، علّق على هذا الأمر قائلاً: “تزوجوا كلّهم وذهبوا”، تكاد السنين تحني ظهره، لكنه لا يزال يعمل في نجارة البناء كمشرفٍ لا يستغني أهل المنطقة عن خدماته، بعد أن تقاعد من عمله كموظف عمل سائقاً للقطار في محطة تل كوجر لمدة 35 عاماً.
بقايا صور وذكريات
الفحل رجل تركماني سبعيني ينفث دخان سيجارته ويحدّق بعينيه الزرقاوين ببقايا صور لمحطات أسفاره التي جمعته بزملاء عمله، متحسراً خسارته لمعظمها: “ضاعت الصور أثناء دخول الفصائل المسلحة للبلدة ونزوحنا المتكرر فترة تواجدهم”. لا يزال يجاور قضبان سكك حديدية التي لطالما كانت رفيقة دربه في بلدته تل كوجر في شمال وشرق سوريا، تعتبر عائلة الفحل من أوائل العاملين في المحطة، وهو أول سائقٍ للقطار البخاري في بلدة تل كوجر ويقول: “أصل لنصيبين ووجهي أسود من الفحم”.
شغف عائلي بالقطارات
بدأ عمله كسائق قطار منذ عام ١٩٧١م، كان والده
موظفاً في المحطة منذ الاحتلال الفرنسي لسوريا في الثلاثينات، واستمر بعمله بمد الخطوط الحديدية وأخاه الأكبر عامل على اشارة البرقيات “مورس”, استمرا بالعمل لما بعد الاستقلال وعندما طلبوا سائقين للقطار أخبره والده بأنّهم أحق بالوظيفة من غيرهم قائلاً له: “عليك تقديم طلب التوظيف”.
ذهب الفحل الشاب لحلب ليخضع لدورة يتعلم من خلالها قيادة القطار، وبقي هناك ستة أشهر ليبدأ أول رحلةٍ له منطلقاً من محطة تل كوجر لنصيبين واصفاً ذلك: “لم أضع الخوف بقلبي، لأن عملي كان يحتاج لقوة”، فهو معتاد على قيادة الآليات الثقيلة باعتبار أن مهمته كانت في الجيش “ناقلة دبابات”.
يتبسم سائق القطار مستذكراً كأنها اللحظة ما أن يصعد الركاب ويتجهز القطار للانطلاق: “نضع الفحم ومادة النفط الخام (الفيول) ونبدأ بغلي الماء ليصل ضغط المحرك لمستوى معين وننطلق، باذلين جهداً عضلياً كبيراً”.
“الهوب هوب”
يقول الفحل بأنّ وسائل النقل في السابق كانت بسيطة جداً: “كان كلّ شيء بسيطاً فحافلتا “الهوب هوب” الوحيدتان لنقل الركاب في الخمسينات، كانتا تعودان لرجلين مسيحيين باصا توما وحنا”، وتابع واصفاً أحداث الرحلة تلك الحافلتين حيث ينطلقان في الصباح الباكر من تل كوجر ليصل بعد الظهر لقامشلو، بسرعةٍ لا تتجاوز الثلاثين فالطريق كان لا يصلح للسرعة.
كم كان الراتب الذي يتقاضاه والأجرة آنذاك؟
وأشار الفحل بأنّ القطار البخاري خفف من أعباء ومشقة السفر: “ننطلق في العاشرة لنصل في العاشرة من اليوم الثاني تقطع رحلتنا عدة محطات (تربه سبيه – تل زيوان – قامشلو – دير الزور- حمص) ناس تركب وناس تنزل، حيث يجتمع الناس عند كلّ محطة، والمسافة بين كل محطة وأخرى 5 كم”.
ويستمر الفحل في سرد ذكرياته: “90 ليرة هو راتب موظف الحكومة في السبعينات، و٦٥ قرش هي أجرة النقل بالقطار، لقمة العيش كانت صعبة ولا يوجد عمل بدون تعب”.
مَنْ يُدير الأمور داخل القطار؟
يصف سائق القطار لصحيفتنا ما كان يحدث بغرفة القيادة “رأسية القطار “وداخله” مأمور التذاكر كان مسؤول عن قطع “البليتات”، أي التذاكر ومأمور الحركة “شف ترن” يراقب عربات الحمولة ويسلم ويستلم الفواتير والركاب، وفانوس القطار “يُعد كإشارة مرور فيه ثلاثة ألوان أحمر وأخضر وبرتقالي في حال اختفى الضوء يعرفون بأنّ إحدى العربات قد انفصلت ويجب الوقوف لتوصيلها”.
” غرفة النار”
أما غرفة القيادة أو “غرفة النار” كما يطلق عليها الفحل ومعاونه اللذان يقفان على أقدامهم منذ انطلاق الرحلة حتّى نهايتها، هذه الغرفة التي لونت وجهه بسمار الفحم يقول عنها: “لا وجه ولا عيون لنا من الفحم والفيول والدخان، نفتح النافذة قليلاً لتجديد الهواء ونغلقها بشكل كامل لأن الهواء يُبرّد الفحم”.
وتابع الفحل واصفاً حالهم عندما تكون الرحلات في الصيف “نحترق وكأننا بحراقة، الشتاء أهون من ناحية الحرارة داخل غرفة القيادة لكن أصعب بتسخين الفحم، نضطر لسكب الفيول كلّ حين لتحمية الفحم والمحافظة على ضغط الحرارة، هناك نظام معين يعمل من خلاله القطار البخاري.
صعوبات وذكريات
وعن المواقف والصعوبات التي كانت تواجههم بعملهم يقول: “كان بعض الركاب ينامون مما يضطرنا للوقوف بغير مكانه المخصص في المحطة، كل ٥ كم كان يقف القطار لتحميل وتنزيل الركاب، والأجرة كانت ٦٥قرش وتزداد القروش حسب المسافة”.
ويكمل سارداً تفاصيل الرحلة: “بعض الركاب ينامون فما أن تأتي إشارة حمراء من مأمور الحركة حتّى نقف، كان هناك كرات هواء فوق رأس كلّ راكب ما أن يسحبها حتى تأتي إشارة حمراء فنقف، نعرف وقتها بأنّ هناك راكب غفل عن مكان نزوله فنقف لينزل ثم نتابع رحلتنا”.
بقايا الصور
يعترف سائق القطار بفضل الأرمن عليّهم كسكان يمثلون الأغلبية بالبلدة في تلك الحقبة من الزمن من خلال حديثه مع جاره الأرمني الذي تعلم التصليح من والده وجده، ويكمل حديثه: “كانت حمص أصعب محطة يمر بها سائق القطار، نأخذ الفوسفات من تدمر لحمص، الطريق وعر وصعب، سهول ووديان ومنحدرات، وتكثر أعطال القطار في هذه المحطة، لنستعين بمُصلحي القطار الأرمن ليأتوا من حلب” كان الأرمن أصحاب صنعة ومنهم تعلم الفحل وزملائه تصليح الأعطال الخفيفة .
يستغل الفحل ورفاقه فرصة توقفهم بأخذ الصور والتقاطها: “نكتب على ظهرها المكان والزمان وأسماء من جمعتهم الصورة” كان لدّيه عدد كبير من الصور يحتفظ بها مع أغراضه الشخصية، ضاعت كلها أثناء تنقلهم من البلدة عند دخول الفصائل المسلحة لتل كوجر.
ركاب وبضائع
وأشار الفحل بأنّه ليس شرطاً أنّ تكون الرحلة للركاب فقط فهناك “رحلات تجارية خاصة”، نذهب بالعربات “الفركونات” فارغة لنحمل حمولتنا من نصيبين ونعود بها للعراق، ليستلمها القطار القادم من الموصل- بغداد ونوع الحمولة أما سلاح أو مواد غذائية برادات قطع غيار صناعية، من مختلف البلدان ألمانية إنكليزية هولندية.
ويستذكر الفحل مبتسماً طعم ومذاق ذاك التفاح الذي جاؤوا به من نصيبين من قِبل إنكلترا للعراق أيام الحرب العراقية الإيرانية، ليصف ما يحدث بقوله: “من شدة الحرب لا يلحق الجنود تنزيل كامل الحمولة من صناديق التفاح” مما جعلها من نصيب الفحل وزملائه ليعودوا بها لبيوتهم، وتابع: “بعض الفركونات تبقى مختومة الأقفال لنعود بها من حيث أتينا بها، كالبرادات وقطع الغيار أو يتم تسليمها للحكومة التي تعيد شحنها من جديد في حين لم يستلمها قطار بغداد، عملية تبادل نُسلم مليان ونأخذ فوارغ”.
كان لكلّ نوع من البضاعة عربة تعود لصناعة البلد القادم منها “أحياناً نضع عربة احتياط في حال كانت الرحلة ركاب وبضاعة، العربة تستوعب خمسين راكب، وعادةً ما تكون عربات نقل الركاب اثنين وواحدة احتياط.
تطور القطار
ومن حيث السرعة والحمولة يقول الفحل بأنّ القطار البخاري “طاقته من 300 لـ 400 طن بينما الديزل يصل لـ 700 طن مرتاح” فالبخاري كانوا يضطرون للاستعانة بقطارين عندما تكون كمية الحمولة كبيرة.
“مانويل ومقود قيادة وخزان ماء يغلي بالفحم والفيول كان القطار البخاري متعب جداً، لكن الفحل اعتاد على عمله إلى أنّ جاء قطار الديزل قائلاً: “كأنك تسوق سيارة ترجع وتقدم المقود، دون أي صعوبة لا روائح مزعجة ولا حرارة، وبالنسبة للسرعة “لا مجال للمقارنة” الديزل أسرع، وتوسعت شبكة تمديد الخطوط الحديدية لتغطي كافة أنحاء البلد: “تطورت القطارات وأصبحت خمس نجوم، منامة وغرف مُخدمة”.
انتهاء رحلة التعب
ترقى الفحل بعمله في الثمانينات ليصبح مدير المحطة “اعتزلت السفر ولا أحن إليه، أيام صعبة ومريرة جعلتني أكره السفر، وتساءل: “تخيل تظل واقف على رجليك أكتر من 12ساعة”، لا تعني السكة للفحل سوى محطة تعب وإرهاق من عمره ربى من خلالها أولاده وكوّن نفسه.
ويذكر الفحل بأن لبعض العاملين في المحطة هوية فرنسية، لكونهم عاملين بها من أيام الفرنسيين: “بقوا يستلمون على أساسها راتب من الحكومتين الفرنسية والسورية حتى بعد الاستقلال ليوم وفاتهم” ولكن لم يحالف الحظ والد الفحل ليحصل عليها.
“حياة هذا الجيل أسهل”
لم تُثنِ سنين العمر سائق القطار الذي أدمن السواقة، ليُشرف على ورشات نجارة البناء في منطقته تلك المهنة الشاقة أيضاً التي زاولها بعد تقاعده مردداً بعد أن أنهى مكالمة هاتفية بجواله الصغير: “حياة هذا الجيل أسهل” بكبسة زر تعرف ما تريد.
انتهت رحلة مصطفى الفحل “سائق القطار” لكن قطار عمره لا يزال يقطع السنين ساخراً منها رغم خطوط الزمن وتجاعيده المتعمقة بثنايا وجهه.






