No Result
View All Result
“نحن وسط الكارثة”، هكذا يصف الإداري في سد تشرين الأزمة التي تسببت بها تركيا جراء حبسها لمياه نهر الفرات منذ أربعة أشهر، ما تسبب بانحسار مياه النهر وانخفاضها إلى مستويات كارثية، حيث فقدت بحيرة الفرات، أكبر البحيرات المائية في سوريا، ما يقارب ستة أمتار من المياه.
أربعة أشهر مضت منذ أن بدأت تركيا بحبس مياه نهر الفرات عن سوريا والعراق، الأمر الذي أحدث كارثة ألقت بظلالها على حياة الملايين من الناس الذين يعيشون على ضفاف النهر ويعتمدون عليه في مناحٍ حياتية عدة.
انخفاض مستمر وحاد.. أرقام صادمة!
أرقام حصلت عليها وكالة هاوار للأنباء تكشف حجم الكارثة الكبيرة التي تسببت بها تركيا بفعل حبسها لمياه الفرات، إذ وصلت نسبة الانخفاض في بحيرة سد الفرات، أكبر البحيرات في سوريا، إلى ما يقارب الـ 6 أمتار. وتخسر بحيرة سد الفرات، أحد السدود الثلاثة المقامة على نهر الفرات، يوميًّا سنتيمترًا واحدًا من مخزونها المائي الذي يوشِك على لفظ أنفاسه الأخيرة.
منذ الـ 27 من شهر كانون الثاني المنصرم ودولة الاحتلال التركيّة لا تطلق سوى200 متر مكعب من المياه في الثانية، بينما تنص الاتفاقية التي توصلت إليها سوريا مع تركيا على ضرورة ألا يقل الوارد المائي من مياه الفرات إلى سوريا عن 500 متر مكعب في الثانية.
يقول نائب الإداري في سد تشرين جهاد بيرم إن الوارد المائي من نهر الفرات انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، إذ يصلهم حوالي 200 متر مكعب في الثانية منذ أواخر كانون الثاني المنصرم.
وأوضح جهاد بيرم إن انخفاض منسوب المياه في البحيرات “تسبب بزيادة ساعات تقنين الكهرباء، فقد أصبح تشغيل العنفات في سد تشرين لمدة ثماني ساعات فقط والإيقاف لمدة 16 ساعة”.
ويبدأ السد بتوليد الكهرباء من الساعة السادسة مساءً حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، يكمل سد الفرات توليد الطاقة لسد حاجة المنطقة لمدة ساعتين إلى الساعة الرابعة صباحًا، حيث تعمل هناك عنفة واحدة.
وفيما يخص الوضع في بحيرة سد الفرات، يقول جهاد بيرم إنهم اضطروا لمواصلة توليد الطاقة الكهربائية وسحب المياه عبر قنوات الري، وذلك ما أدى إلى انخفاض حاد في منسوب بحيرة سد الفرات.
ويصل منسوب بحيرة سد الفرات الطبيعي إلى 304 ارتفاعًا عن سطح البحر، والآن قد انخفض المنسوب إلى 298,50، أي بمعدل انخفاض قرابة 6 أمتار.

مخاطر تهالك جسم السد
يصل المنسوب الطبيعي في سد تشرين إلى 325,50 ارتفاعًا عن سطح البحر، وقد انخفض الآن إلى 321,31، أي بمعدل يصل إلى قرابة أربعة أمتار، وفي حال تسجيل انخفاض لمتر واحد آخر، سيكون السد خارجًا عن الخدمة.
ويقوم العاملون في سد تشرين على تشغيل عنفتين فقط من أصل ست عنفات، استطاعة كل عنفة تصل في الحالة الطبيعية إلى 105 ميغا واط، لكن بسبب انخفاض المياه، تعمل العنفتان باستطاعة 70 ميغا واط فقط.
يقول جهاد بيرم إنه “مع تشغيل السد بكامل العنفات ليومين متتالين سنصل إلى المنسوب الميت ويقف عن العمل بشكل كامل، لكن الآن يتم الحفاظ على المنسوب قدر الإمكان لكي لا يصل إلى المنسوب الميت”.
ويخشى القائمون على السد من الوصول إلى المنسوب الميت، لأنه حينها من الممكن مواجهة مشاكل قد لا يمكن السيطرة عليها مع عدم وجود شركات للصيانة والاعتماد يتم فقط على المهندسين.
ويتوقع جهاد بيرم مزيدًا من الانخفاض في منسوب البحيرات مع حلول فصل الصيف وازدياد نسبة التبخر، بالتالي ستزداد ساعات تقنين الكهرباء للحفاظ على منسوب بحيرة الفرات.
ففي سد تشرين، يتم تمرير الوارد المائي فقط وتوليد الكهرباء اعتمادًا عليه (200 متر مكعب في الثانية)، دون استنزاف المخزون المائي القليل للبحيرة.
تأثيراتٌ سلبيّة… الأمن المائي في خطر
حمود الحمادين، الإداري في سد تشرين، تحدث بشكل موسع عن التأثيرات السلبية التي عصفت بالمنطقة جراء حبس تركيا لمياه الفرات.
يقول المهندس حمود الحمادين إن “مياه الشرب هي أهم الأركان التي بُنيت السدود من أجلها، إذ تعمل السدود على تخزين المياه لتحقيق الأمن المائي للمواطنين، لكن حاليًّا نحن نفقد هذا الأمن من عدة نواحي، الناحية الأولى انخفاض البحيرات شاقوليًّا وأفقيًّا أدى إلى تقليل الخزان المائي للبحيرات، وقلة هذا الخزان وضعف الجريان نتيجة توقف السد مدة 16 ساعة متواصلة، يؤديان إلى زيادة نسبة التلوث نتيجة النفايات ومخلفات الصناعة والصرف الصحي التي تلقى في سرير النهر”.
ويحذّر الحمادين من تشكل بيئة مهيأة للأمراض والسموم والتلوث في ظل انتشار جائحة كورونا، ما سيهدد حياة خمسة ملايين من السوريين الذين يشربون من النهر مباشرةً، مع الإقبال على فصل الصيف، حيث تتضاعف الحاجة لمياه الشرب وبالتالي الخطر يزداد.
وليس تلوث المياه هو المشكلة الوحيدة، إذ أن صعوبة الحصول على المياه بالأساس تعتبر مشكلة أخرى نتيجة خروج محطات تصفية واستجرار المياه عن الخدمة.
الأولوية لمياه الشرب
يؤكد المهندس حمود الحمادين أن المياه أكثر ضرورة من الكهرباء، لأن المياه لا تُعوض، وللحفاظ على قدر كافٍ من المياه في البحيرات لتأمين مياه الشرب والري، ارتأت إدارة السدود ضرورة تغيير برامج التقنين كلما وصل المنسوب إلى مستويات معينة.
ولا يستبعد الحمادين تخفيض ساعات توليد الكهرباء مع استمرار انخفاض الفرات، ويقول “نحن وسط الكارثة ولسنا بصدد التحذير من وقوعها”.
ويضيف: “بحسب المعاهدات والمواثيق الدولية يمنع استخدام مياه الشرب كسلاح حرب، لكن الآن حياة ملايين البشر مهددة”.
الزراعة والكارثة المُنتظرة!
عانت المنطقة خلال الأشهر المنصرمة من جفاف غير مسبوق، ما ألحق أضراراً كبيرة بالموسم الزراعي الشتوي، إذ شهدت مناطق عدة من شمال وشرق سوريا فشل الموسم وعدم نمو المحاصيل البعلية.
وفيما يتعلق بالمحاصيل المروية، تُعتمد آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية على نهر الفرات، لكن انحسار النهر بفعل حبسه داخل الأراضي التركيّة، خلق صعوبات عدة لدى مزارعي مناطق شمال وشرق سوريا من جهة كيفية الحصول على المياه لري المحاصيل الزراعية، ومن أبرزها الحبوب.
وبالنسبة لإقليم الجزيرة التي تعتبر السلة الغذائية لسوريا، فإن فشل الموسم الزراعي سيؤدي إلى حدوث كارثة، وقد حدثت بالفعل، لأن الموسم الزراعي الشتوي تعرض لأضرار جسيمة بفعل قلة الأمطار وحبس مياه الفرات. ويبدأ المزارعون في هذه الأوقات من السنة بزراعة أنواع عدة من المحاصيل الصيفية (قطن، ذرة، سمسم)، لكن باعتماد مباشر على مياه الري التي يأتي القسم الأكبر منها من نهر الفرات.
لكن مع استمرار انحسار مياه الفرات، أحجم الكثير من المزارعين عن الزراعة الصيفية خشية عدم توفر المياه والكهرباء وتكبد الخسائر، ما سيضع المنطقة أمام أزمة غذائية في قادم الأيام.
حول هذا، يقول المهندس حمود الحمادين إن “الموسم الشتوي هذا العام عانى من الجفاف ما ترك المزارعين بحاجة إلى مياه الفرات لسقاية المحاصيل، لكن في منتصف موسم الري خرجت محطات الضخ عن الخدمة بالتالي خسرنا استراتيجية الأمن الغذائي نظرًا لأن المنطقة تعتبر السلة الغذائية لسوريا من ناحية تأمين الحبوب وغيرها”.
وبدأ المزارعون وشريحة واسعة من سكان مناطق شمال وشرق سوريا يخسرون قوتهم اليومي، لتظهر جليًّا الآثار المدمرة لحبس الفرات، شريان الحياة في شمال وشرق سوريا.
لا يغطي الاحتياجات الضروريّة
بلغة الأرقام، يتحدث المهندس حمود الحمادين، عن الوارد المائي من تركيا، وكمية المياه التي تُستهلك في سوريا.
يقول الحمادين “تبلغ نسبة الوارد المائي 200 متر مكعب في الثانية، لكن الاستهلاك يكون بنسبة 25 مترًا لمياه الشرب، 75 مترًا مكعبًا تبخر دون تحقيق أي استفادة، ومن 140 إلى 160 مترًا مكعبًا للري”.
بالتالي، فإن الوارد المائي 200 متر مكعب في الثانية، بينما الاستهلاك يكون من 240 حتى 260 مترًا مكعبًا في الثانية، وهذا ما يؤدي إلى استنزاف في مخزون البحيرات لأن الوارد المائي من تركيا لا يغطي الاحتياجات الضرورية.
وتضطر إدارة السدود لتوليد الكهرباء لتأمين المياه، يقول حمود الحمادين في هذا السياق “لدينا محطات الضخ والتصفية لكن من أين لنا بالكهرباء لنؤمّن المياه، هنا بدأنا باستنزاف مخزون البحيرات لتأمين الكهرباء”.
ويضيف “الأولوية لمياه الشرب، إذا وصلنا للمنسوب الميت سنضطر لتخفيض ساعات الكهرباء إلى الحد الأدنى ونكتفي بإمداد الكهرباء لمحطات الضخ والتغذية المائية، فنحن نستطيع الاستغناء عن الكهرباء جزئيًّا لكن المياه لا نستطيع الاستغناء عنها نهائيًّا”.
وتستفيد حاليًّا مناطق منبج وكوباني والرقة ودير الزور والطبقة وجزء من الجزيرة من الكهرباء التي يتم توليدها من سد تشرين والفرات في الطبقة.
الضرر يصل الثروة الحيوانية
مع إحجام المزارعين عن الزراعة، وقلة تأمين المياه والكهرباء، وتضرر الأمن المائي والغذائي، بدأت الأضرار تظهر على قطاع الثروة الحيوانية حيث تشهد مناطق شمال وشرق سوريا حاليًّا ارتفاعًا جنونيًّا في أسعار الأعلاف بالمقابل انخفاضًا شديدًا في أسعار الثورة الحيوانية.
فالمربي بات يبيع ما يملكه من ثروة حيوانية بأبخس الأثمان، لأنها أصبحت تُكلف أكثر من سعرها، وفق حمود الحمادين، الذي يمضي في حديثه ويقول: “نخسر الثروة الحيوانية والأمن الغذائي والزراعة الصيفية ومن الأساس نناضل للحفاظ على الأمن المائي”.
وهذه المرة الأولى على الإطلاق، يصل فيها منسوب مياه نهر الفرات إلى هذه المستويات المنخفضة. ففي عام 2015، سجل الفرات في سوريا لأول مرة انخفاضًا كان الأدنى، حيث وصل الوارد المائي من تركيا حينها إلى 425 مترًا مكعبًا في الثانية، لكن اليوم لا يتجاوز الوارد المائي 200 متر مكعب في الثانية.
ويحصل العراق حاليًّا على ما يقل عن 200 متر مكعب في الثانية من مياه الفرات، بحسب الإدارة العامة للسدود في شمال وشرق سوريا.
No Result
View All Result