ديرك/ هيلين علي ـ
يوم تلو الآخر، تضطر الأربعينية “أمينة عثمان” إلى الاستغناء عن العديد من السلع، ومنها اللحوم والخضروات، عن مائدة عائلتها لتركز نفقاتها على مستلزمات أخرى أكثر حاجة.
“لا نعلم إن كنا سنعيش حتى يتحسن وضع البلاد أم لا، الوضع اليوم سيء للغاية، ونحن لا نملك ما ندفع به الجوع عن أبنائنا”، بهذه الكلمات وصفت “أمينة”، التي تعيش مع زوجها وأطفالها الستة في ريف منطقة “ديرك” أقصى شمال وشرق البلاد، الواقع المعيشي المتردي الذي يعصف بعائلتها.
عشرة أعوام مرت على الحرب في سوريا، والأزمة تُراوح مكانها, أتقن السوريون خلالها التكيف مع ظروف معيشية قاسية، فقر ونزوح وتشرد، إلا إن الوضع الاقتصادي بات الأصعب من أي وقت مضى.
تأمين احتياجاتهم
وفي محاولة لرصد الأوضاع المعيشية للأهالي، تواصلت صحيفتنا “روناهي” مع مجموعة من السكان المحليين في مدن وأرياف مناطق إقليم الجزيرة بشمال وشرق سوريا, إذ أكدت “أمينة عثمان” أنهم يعيشون ظروفاً معيشية قاسية.
إذ تقول إنها وبسبب ضيق الحالة المادية الآن لا تستطيع أن تقدم لأطفالها سوى البطاطا والعدس أو البرغل، فالأصناف الغذائية الأخرى صارت طي النسيان بالنسبة لهم، فدخل زوجها الذي يعمل في إحدى المحال وسط مدينة ديرك 100 ألف ليرة سوريّة, وهو ما يؤمّن لهما بالكاد تغطية بعض المصاريف وشراء المستلزمات الأساسية, بحسب ما قالته لصحيفتنا “روناهي”.
وتتابع بغصة إن “الأسعار تصاعدت بنسبة تفوق 100% بشكل عام، وأصبحت تشكّل عبئاً على عاتقنا حيث لا نستطيع حالياً توفير المواد الغذائية, كما لن يكون باستطاعتنا في الأيام القادمة تأمين الاحتياجات الأساسية كمصادر الطاقة”.
ارتفاع الأسعار يقابله قدرة شرائيّة منخفضة
مظلوم أحمد من أهالي ناحية “كركي لكي” في ريف “ديرك”, يؤكد أن ارتفاعًا غير مبرر بأسعار المنتجات طغى خلال الأشهر الأخيرة، يقابله انخفاضًا في قدرتهم الشرائية، نتيجة انخفاض قيمة العملة المحلية، ما يمنعهم من فرصة الحصول على جميع المنتجات المتوفرة بالأسواق والتي تحتاجها الأسر بلا شك.
لا يتجاوز راتب أحمد 200 ألف ليرة سوريّة، وهو عامل لدى المجمع التربوي بناحية “كركي لكي”، متزوج ولديه أربعة أطفال، إذ يقول لصحيفتنا “روناهي” إن نصف راتبه يدفعه لإيجار المنزل، كما إنه يتدبر أمور عائلته بصعوبة بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار.
ويصل سعر كيلو الفروج المذبوح إلى 5000 ليرة سوريّة في الأسواق, فيما يصل سعر ليتر زيت “عباد الشمس” النباتي إلى نحو ثمانية آلاف ليرة سوريّة، وسعر الصفيحة البالغ وزنها 16 كيلوغرامًا إلى نحو 95 ألفًا.
طرق مواجهة الأزمة
من جانبها, توضح زيلان أحمد من سكان مدينة “تربه سبية” في إقليم الجزيرة، وهي طالبة الترجمة الإنكليزية في جامعة “روج آفا” بمدينة “قامشلو”, إن الحوالات المالية الواردة من الخارج لبعض الأسر, هو ما يبقي كثيرًا من طلاب الجامعات لاستكمال دراستهم في سوريا, حيث أن الحوالات هي الطريقة الأساسية لمواجهة الوضع المعيشي السيء.
إذ إن رواتب العاملين لا تكفي لأسبوع، أما الرواتب ممن يعملون بأجور يومية فتعد أسوأ، وهو ما يجعل حال الغالبية “يرثى لها”، بحسب زيلان التي تصف وضع العائلات والطلاب في المناطق السورية بـ”المأساة”، ما يجعل بعضها تعتمد بجانب دخلها في سوريا على الحوالات المالية، وتستطيع غالباً تدبير معيشتها والبقاء على قيد الحياة في سوريا.
جنون الأسعار يشلُّ حركة الأسواق
في السياق, يقول “عبد اللطيف إبراهيم” وهو صاحب أحد محلات المواد الغذائية في مدينة “قامشلو: “إن هناك انعداماً في الحركة الشرائية وانخفاضًا كبيرًا بعدد الزبائن في المحل الذي يرزّق منه، يعزو الأمر إلى حالة الفقر وانعدام القدرة الشرائية لدى العاملين وعمال الأجرة اليومية الذين يتقاضون مستحقاتهم بالليرة السوريّة”.
هذه الحالة منعت إبراهيم من البيع بالدَّين مع ما بقي من زبائنه، معللًا ذلك بارتفاع سعر السلع مؤخرًا ما يجعل السماح بالدَّين يسبب خسارة للبائع.
وتسجل أسعار المواد الأساسية في مناطق إقليم الجزيرة بشمال وشرق سوريا, ارتفاعًا كبيرًا بفارق يشكل أكثر من 100 بالمئة, قبل وبعد الهبوط الأخير في قيمة الليرة السوريّة.