سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الاغتراب الثقافي

 دلشاد مراد-

أحدثت ثورة الشعوب التي انطلقت في 19 تموز 2012 بشمال وشرق سوريا تغييرات كبيرة على الأصعدة السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد تجاوب معظم الكتاب والمثقفين المقيمين في الوطن مع التحولات الجديدة وانضموا إلى فعاليات الثورة والإدارات الذاتية المنبثقة عنها، أو في مؤسسات وطنية، أو ككتاب مستقلين مؤيدين لها، أما القلة الآخرون فإما أنهم غادروا الوطن لأسباب عدة أو بقوا في هيئات وفعاليات تابعة لحكومة دمشق أو في دوائرها (وخاصة في الجانب السرياني) أو أنها تابعة لتجمعات سياسية مرتبطة بأطراف خارجية، ومنها ما يسمى “الائتلاف الوطني السوري” المرتبط بالقرار التركي المعادي لتطلعات شعوب شمال وشرق سوريا (وهنا نخص الجانب الكردي).
أما في خارج الوطن فإن الكثير من الكتاب والمثقفين الكرد والعرب والسريان يعيشون حالة من الاغتراب الثقافي بسبب عدم معايشتهم للواقع في داخل الوطن والتغييرات الكبيرة والتحولات السريعة التي تشهدها مناطق شمال وشرق سوريا على كافة الصعد، وبالتالي هم يعيشون حياة الماضي (أيام كانوا في داخل الوطن) ولايزالون متقوقعين وأسرى لتك الرؤى السابقة. فالكتاب الكُرد منهم على وجه الخصوص لايزالون يطبلون لأمجادهم في الماضي دون أن يكون لهم أي تأثير أو دور – ولو قيد أنملة –  في الأحداث والتغييرات الجارية في الوطن خلال العقد المنصرم على الأقل، بل وتراهم في مقدمة المشككين بالثورة الجارية في روج آفا وعموم شمال وشرق سوريا، ومنهم من يحاربها علناً دون إدراك أنهم أدخلوا أنفسهم في فلك الأعداء وفي نطاق الارتزاق الفكري. وبعض من هؤلاء أنشؤوا تجمعات ثقافية وهمية وشكلية ليس لها أي تأثير على أرض الواقع، في محاولة منهم لإثبات وجودهم ودورهم المزعوم، لكنهم في الحقيقة يعيشون في وهم حقيقي وغير واقعي إطلاقاً، فنضالهم المزعوم موجود على العالم الافتراضي فقط، يهدرون وقتاً وطاقات كبيرة كان بالإمكان الاستفادة منها لو اندمجوا مع الواقع الوطني الجديد المعاش في روج آفا وشمال وشرق سوريا.
أما السريان في الخارج فهم متقوقعون على أنفسهم، ومعظم تنظيماتهم وجمعياتهم الاجتماعية والثقافية والسياسية ذات أفكار غير واقعية وخيالية لا تصلح سياسياً ولا اجتماعياً ولا ثقافياً، وبالتالي يعيشون أيضاً في اغتراب ثقافي، ليس لهم أي قواسم مشتركة مع السريان والشعوب الأخرى في داخل الوطن. وهذا بدوره أيضاً له تأثير سلبي في الوحدة والقوة السريانية ومعها وحدة الشعوب في المنطقة.
وتنطبق ظاهرة “الاغتراب الثقافي” أيضاً على القلة من الكتاب والمثقفين في داخل الوطن، الذين هم خارج نطاق ثورة الشعوب في شمال وشرق سوريا، كون أعمالهم ومواقفهم لا تندرج في أي خط وطني واضح، حتى أن بعضهم تارة يقتربون من الإدارة الذاتية طمعاً بمنصب ما وبعد فشل مساعيهم يلجؤون إلى مهاجمتها وانتقادها ليلاً ونهاراً، أي أن منسوب الوطنية لديهم يتناسب مع المكاسب الشخصية التي قد يحصلون عليها.
في كل الأحوال تؤثر هذه الظاهرة سلباً على تقوية الجبهة الثقافية والأدبية لشمال وشرق سوريا التي هي أحوج إليها في هذه السنوات العصيبة للوقوف صفاً واحداً أمام الأطماع التركية خصوصاً على مناطق شمال وشرق سوريا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.