سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المثقف ودوره في نهضة شمال وشرق سوريا

دلشاد مراد-

يُعرف المثقف بأنه ناقدٌ اجتماعي، له القدرة على تحليل الواقع والكشف عن السلبيات والقضايا الوطنية والمجتمعية التي تسبب في تأخر شعب أو بلد ما وتطوره، وإيجاد الحلول المناسبة لتجاوز تلك السلبيات والقضايا. وبالتالي ليس من السهل إطلاق صفة المثقف على شخص ما، فالمهمة والمسؤولية الملقاة عليه مصيرية بالنسبة لمجتمعه وشعبه. فالمثقف يضع مستقبل مجتمعه في مقدمة أولوياته، ولا يهاب العواقب الناتجة على شخصه، فتاريخ شعوب منطقتنا مليء بهؤلاء الشجعان الذين قادوا الثورات والانتفاضات أو شاركوا فيها وضحّوا بحياتهم من أجل تحقيق تحرر مجتمعاتهم وشعوبهم من نير الظلم والاحتلال.
وإذا أخذنا المجتمع الكردي في سوريا على سبيل المثال، فإنه يمكن التوقف على بعض أبرز المثقفين الذين وضعوا جل اهتمامهم وحياتهم في سبيل خدمة شعبهم. ففي القرن العشرين برز جلادت بدرخان وإخوته إلى جانب وطنيين آخرين أسسوا لنهضة ثقافية وفكرية كردية في سوريا، فأصدروا الصحف والمجلات ووضعوا أبجدية للغة الكردية وأنشؤوا جمعيات سياسية وثقافية. كما برز أوصمان صبري ونور الدين ظاظا وجكر خوين… وغيرهم ممن عملوا على إحياء الثقافة القومية الكردية وتطورها وعملوا على تأسيس حركة سياسية ممثلة للشعب الكردي. أي أن هؤلاء المثقفون حللوا واقع المجتمع الكردي وكشفوا عن تأخره في كافة الصعد وتعرضه لسياسة الاضطهاد والتمييز العنصري، فرأوا أن أفضل طريقة للوصول إلى حرية وتقدم الكرد هي في النهضة الثقافية والنضال السياسي في مواجهة الظلم والاضطهاد القومي. وكانوا في مقدمة من عملوا على تطبيق تلك الطرق للوصول إلى نتائج إيجابية، بغض النظر عن نجاحهم أو غير ذلك.
وفي الوقت الراهن تبرز الأفكار السياسية والمجتمعية للقائد عبد الله أوجلان المتمثلة بـ (فلسفة الأمة الديمقراطية) كمثال ساطع على دور المثقف في تحليل الواقع وتحديد الطريقة الملائمة لنهضة وتقدم وحرية المجتمعات والشعوب، وتأخذ تلك الأفكار طريقها إلى التطبيق في شمال وشرق سوريا منذ عام 2011، إلا أن التطبيق يرافقه مشكلات وقضايا وظواهر مختلفة، بما يشبه الآثار الجانبية المرافقة للأدوية المعالجة للأمراض.
وهنا تظهر دور الطبقة المثقفة في شمال وشرق سوريا بتحديد تلك المشكلات والظواهر المرافقة أو المشكلات الجديدة التي تعترضهم، بغية تحليلها وإيجاد الحلول المناسبة لها، وبالتالي قد يأخذ صفة المثقف “إداري، كاتب، صحفي، فنان، خبير مهني… إلخ”. فالإداريون الناجحون هم العقول المخططون لمؤسسات المجتمع، همهم السير بتلك المؤسسات بنزاهة وعقلية وتخطيط جماعي وبعيد المدى. والكتاب والفنانون هم ضمير مجتمعاتهم يظهرون القيم الأخلاقية والإنسانية في نتاجاتهم وإصداراتهم الإبداعية، والصحفيون هم عيون المجتمع، يلقون الأضواء على الجوانب السلبية والإيجابية في السيرورة اليومية للمجتمع، والكتاب والصحفيون خصوصاً هم الأكثر قدرة على إيصال الأفكار إلى أفراد المجتمع من خلال الأدوات والتقنيات التي يستخدمونها، وبالتالي في توجيه الرأي العام.
وإذا عدنا إلى الأمثلة التي ذكرناها أعلاه (عبد الله أوجلان، أوصمان صبري.. إلخ) فإن جميعهم يشتركون بميزة امتلاك قدرة معرفية واسعة وتجارب عملية والتضحية بحياتهم والابتعاد عن المصالح الشخصية والتركيز على هموم مجتمعهم وشعبهم، وهو ما جعلهم مثقفين من طراز رفيع يأخذون صفة القيادة باعتراف مجتمعهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.