سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بداية الهايكو العربي ـ8ـ الهايكو العربي بين التجريب والتجديد

فيروز مخول (كاتبة وشاعرة سورية مغتربة)-

مثلما تعرضت قصيدة النثر، والشعر الحر، والومضة الشعرية، والقصة القصيرة جداً، في بداياتها ولا تزال، للكثير من الجدل والرفض، لكنها على أثر تلك التجارب التي امتدت لسنوات انتزعت اعترافاً رسمياً بأنها نوع من الإبداع الأدبي الذي أثبت موجودية وكفاءة عالية في الاختزال والخروج عن نمطية السلف، ولكن لا يزال الهايكو يصارع من أجل الحصول على الاعتراف الرسمي به.
– وصلتْ قصيدةُ الهايكو العربيةُ إلى عالمنِا العربي متأخرةً عن طريق ترجماتِ نصوصٍ عن الإنجليزية، وليست عن اللغة المصدر، فأتت سطحيةً وغيرَ دقيقة وابتعدتْ عن روحِ النص، ربما لأن من قام بترجمتِها لم يكنْ على درايةٍ كافيةٍ بطبيعة هذا الفنِ التأملية.
وبدأتْ تتسعُ رقعةُ هذا النمطِ الشعريِ القادمِ من اليابان على خريطةِ عالمنِا العربيِ، وأصبحَ يستهوي عدداً كبيراً من المبدعين، إذ وجدوا فيه مناصاً من قيودِ القصيدةِ الكلاسيكية وقفزةً جديدة على قصيدةِ التفعيلةِ وقصيدة النثر. إن رغبةَ هؤلاءِ الشعراءِ في أن يرتادوا حقولاً جديدةً تضيفُ إلى تجربتِهم الإبداعيةِ، وإلى الشعريةِ العربيةِ أيضاً، كانت دافعاً نحو تبني قصيدةِ الهايكو اليابانية، كما أن هذا النوعَ المختزلَ والمكثفَ يتماشى مع روحِ العصرِ المُتسارع الذي يعيشونَ فيه ويتأثرونَ به.
وقال الشاعر المترجم حسني التهامي:
 إن الهايكست العربي – كأي شاعرٍ في العالمِ – عندما يسعى إلى تشكيلِ هايكو حقيقيٍ من خلالِ التجريبِ، يخفقُ أحياناً وينجحُ أحياناً أخرى، حتى يصبحَ إبداعُه تجربةً حقيقةً ومكتملة. والذي ينجحُ في القبضِ على لحظة الهايكو هو الشاعرُ الحقيقيُ الذي يستطيعُ خلقَ نصٍ عبقريٍ، وهذه الحالةُ بالفعل تأتي عفويةً، وهي ما يُطلق عليها الساتوري أو الاستنارة”. تكمنُ الإشكاليةُ في التساؤلِ المُلِح: هل نتمسكُ بالهايكو التقليدي أم الحديث؟
يذهبُ شعراءُ الهايكو العربيِ مذهبين: الأول ظل أسيراً لخصائصِ الهايكو الكلاسيكي، ولا زالوا يلبسون عباءة باشو وغيره من شعراء الهايكو الأوائلِ من خلال تقليد ألفاِظهم وأفكارهم، بينما رأى أنصارُ النوعِ الثاني ذوو النزعة التجديديةِ أن ينطلقوا بعيداً عن الأنماط التقليديةِ، وتناولوا الواقعَ الحياتيَ بتفاصيله ودقائقِه المتشابكة مع الاحتفاظ بعنصر المشهدية وهو الأساس في الهايكو. لربما بدأ شعراءُ النزعةِ التجديدية كتابة الهايكو بشكله التقليدي، ثم رأوا أن يُضيفوا شيئاً جديداً إلى هذه التجربة اليابانية شكلاً ومضموناً، وهذا ما سيتكشَّفُ لنا بعد مُضي حقبةٍ من التجريبِ والإبداعِ في هذا اللون.
من حقّ المبدع أن يجرّب مختلف أشكال التجريب
يقول د. نضال الصالح أكاديمي وناقد من سوريا: «ربّما أكون أحد أكثر المنحازين للتجريب في الفنّ والأدب، لأنني أؤمن بضرورة البحث عن أشكال جديدة للتعبير دائماً، ووفق حركة التاريخ، كما تفرض أدوات ووسائل ومغامرات لا يمكن لغير الجمادات الوقوف في وجه بزوغها من رحم تلك الحركة، وضمن هذا السياق أفهم ما يمكن وصفه بالحمّى التي تجتاح المشهد الثقافي العربي فيما يعني ما يصطلح عليه بنصّ الهايكو، أو قصيدة الهايكو، التي تنجز قطيعة كاملة مع الذاكرة الجمعية العربية التي صاغها الموروث الشعري العربي لما يزيد على خمسة قرون.
من حقّ المبدع أن يجرّب مختلف أشكال التجريب، وأن يختار مغامرة التعبير التي يشاء، ولكن من الواجب أن يكون مزوداً بثقافة كافية ورفيعة، بهذا الشكل الوافد إلى الثقافة العربية أو ذاك، وهذا ما لا يتوفر لكثير ممن دفع بنفسه ونصه إلى ما أستطيع الاصطلاح عليه بجحيم الجهل المعرفيّ توهماً منه أنّ شرف المغامرة يكفيه في هذا المجال. ولذلك قلّما يجد المتابع لنص الهايكو العربي، إن جاز التعبير أو الوصف، نصوصاً جديرة بالبقاء في الذاكرة طويلة، بل جديرة بالقراءة قبل ذلك».
 ليس شعرًا لكنه شكل شعري
أما صبحي موسى، شاعر وروائي من مصر، فيقول: «مبدئياً قصيدة الهايكو كما يعرف الجميع تعود إلى الثقافة اليابانية، وهي شكل شعري أشبه بالرباعيات لدينا في الثقافة العربية، ولعل أشهر من كتبها هو صلاح جاهين، فضلاً عن رباعيات الخيام التي ترجمت للعربية أكثر من مرة.
الهايكو في حد ذاته ليس شعرًا لكنه شكل شعري، بالضبط كالقصيدة العمودية، هي في حد ذاتها ليست شعراً، وإلا لكانت ألفية ابن مالك شعرًا.. لكنها شكل للشعر يمكن لمن يحترفه أن يصوغ مشاعره وانفعالاته وتأملاته من خلاله، وهكذا الهايكو، هو أيضًا مجرد شكل له ضوابط، وله تأثير على صياغة الكلام، لكنه في النهاية مجرد إناء إن استعمله شاعر حقيقي قدم شعرًا حقيقيًا، وان استعمله مدع قدم كلامًا لا يضيف للوجدان شيئاً، يبقى أن الهايكو شكل مستورد، وليس ابناً للثقافة العربية، ولا يمكننا أن ندعي أن كل الفنون التي تجيدها الثقافة العربية الآن ابنة أصيلة للفكر العربي.. فالرواية ليست إنتاجًا عربيًا في الأصل، وقصيدة النثر ليست منتجًا عربيًا، لكن كلاهما على سبيل المثال تم التعامل معه بشكل جيد، واستطاعت المخيلة العربية أن تصوغ من خلالهما رؤاها وتصوراتها وعوالمها، ومن ثم فالأشكال هي مجرد أدوات، ونحن في لحظة من التداخل الثقافي العالمي الذي يسمح وربما يملي علينا جميعاً استعمال نفس الأدوات والتقنيات، وتبقى الإجادة فقط للفن وليس للتقنية، فالبوب آرت يعرفه العالم كله، والراب منتشر في العالم كله بغض النظر عن موطنه الأصلي».

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.