سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

لا تترك بندقيتي

أزهر أحمد –
من مذكرات شيخ مقاوم:
“أجلس إلى أكوام  كتبي ودفاتري  وأعلن عزلتي، أتحسر لأجلك أيها الغارق في بحار دماء من صنع البشر.  أتحسر على الماضي بزيتونه وزيته، وزغاريد أحفادي تحت ظلال الرمان ولأجلك أذرف دموعاً لا تشبه الدموع  لحظة انهمارها من المقلتين  نبعاً  من الدماء ثائرة  تزلل جوارحي وتفكك مملكة  أفكاري المكدسة بظلم البشر.
كلما هربت من تذكر الماضي تأتي قهقهات مغتصبي في تلفازي، ليذكرني بلحظات لطالما هربت من تذكرها، فتتحول إلى جبال من الهموم تجثم على صدري، تحاول خنقي ولا تقتلني؛ تضحك، تعذبني تلك الكلمات تقتلني نظرات مغتصبي وموسيقا الموت تذكرني بصوت بكاء ابني تحت شجرة الزيتون، قبل لحظات القصاص الوحشي، وتعليق رأسه  بغصن شجرة الزيتون التي كان يلعب تحت ظلها وهو صغير.
 أبحث وجراحي ودموعي وهمومي والشظايا النائمة في جسدي، عن أنيس؛ عن صدر يضمني، أتلفت يمنة ويسرة، لا أحد سوى قلمي، ووريقات صغيرة كنت قد خبأتها في جيبي الممزق، الثائر مثلي وهو يذرف حبراً بلون دماء ولدي، ومع سماعي لصوت زغردة بندقية مقاتلة قادمة, زال الحزن رويداً رويداً، مقاتلة من رحم الزيتون ولدت، وقد ردت الدماء لأوردتي وشراييني وهكذا تبدأ تعود الأماني، فأعود بركاناً زلزالاً ثائراً رغم جراحي. وريحانة صغيرة باتت تنمو في صدري زيتوناً لا تعرف الموت. يا له من موقف أخشى عليها وتخشى علي؛ أواسيها وتواسيني.
 رغم انها فقدت رفاقها، وأضلت الطريق بين ألسنة الدخان، إلا إنها ما زالت تبتسم، وتبعث في نفسي روح المقاومة، وتزيدنني إصراراً على البقاء بجانب بيتي وجثة ولدي المتبعثرة الأعضاء. تمسك بيدي وتحاول  مساعدتي كي أنهض وهي تتلفت في جميع الاتجاهات وإصبعها لا يفارق الزناد, أرجوك  أبي انهض؛ أرجوك غادر المكان, فالأوغاد في كل مكان  لنخرج من بين سحب الدخان ولنذهب هناك حيث الرفاق.
تجثني بثبات: “نحن نقاتل حيناً ونذرف الدموع والدماء؛ كي ينمو النرجس وتزدان الرياحين، ويهنأ أطفالنا في مراجيحهم تحت شجر الزيتون، ولنا قضية نثور من أجلها, ازددنا إصراراً للتمسك بحقيقة الذات والرجوع إلى الحقائق التي سطرناها في صفحات التاريخ”.
تلك؛ كانت كلماتها لي وهي تحاول أن تشدني من يدي لتبعدني عن ذاك المكان, لكن فراقاً أليما كان، إذ كان رأسها هدف قناص غادر، ليزداد ألمي ألماً وهي تلفظ الكلمات الأخيرة: “أبي  أرجوك أخرج من هنا فالأوغاد قريبون، وخذ معك بندقيتي, أرجوك خذ معك بندقيتي”.
نسيت ابني ومصيبتي، ولم يكن همي سوى أن أسعف تلك المقاتلة، يا لها من لحظات وأنا أتأملها، ولحظات أوجاعها نسيت جراحي نسيت أن لي أحبة استشهدوا ومنزلاً تدمر, فقط كان همي أن أنقذ تلك المقاتلة، وألا أدعها تقع في أيدي المغتصبين الأوغاد. لم  أجد نفسي  إلا في الصباح والرفاق يداوون جراحي، سألت عن تلك المقاتلة التي حاولت إنقاذي وأنا أنقذت جثتها. كرهت نفسي في تلك اللحظات، وقلت لهم: رفاقي إنها استشهدت لأجلي، حاولت إنقاذ روحي وأنا مدين لها، لم أستطع إنقاذ روحها، فقط أنقذت جسدها الطاهر خوفاً كي لا يقع في أيدي المغتصبين.
ودعني الرفاق تاركين لي بندقية منقذتي ومضوا بجثمانها الى حيث رفاق سبقوها، بينما رفرفت روحها إلى حيث الخلود.

التعليقات مغلقة.